منذ نشوئه، بموجب اتفاق اوسلو (1993)، بدا واضحا أن الكيان الفلسطيني يعتمد بإدارة عجلته، وتأمين متطلبات استمراره، على الموارد الخارجية، التي تأتي من ما بات يعرف بالدول المانحة (أي الداعمة لعملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل)، كما من الاقتطاعات الضريبية، التي تجبيها إسرائيل، عن السلع الداخلة لمناطق السلطة.
وكان مؤتمر باريس الاقتصادي، الذي عقد أواخر العام الماضي، وشارك فيه 68 دولة و20 منظمة ومؤسسة دولية، أكد بشكل واضح مدى تبعية الكيان الفلسطيني للتمويل الخارجي، ما تمثل بتعهد الدول والجهات المشاركة تقديم مبلغ قدره 4 ,7 مليارات دولار، على ثلاث سنوات للسلطة، في حين أن القيادة الفلسطينية كانت تأمل تحصيل أقل من ذلك بمليارين من الدولارات (!).
ومثلا، فقد وعدت الولايات المتحدة تقديم 555 مليونا، وبريطانيا 500 مليون، والاتحاد الأوروبي 640 مليونا، وكندا 360 مليونا، في حين تعهدت كل من فرنسا وألمانيا والسويد وأسبانيا تقديم 300 مليون دولار، كل على حدة، ومن الدول العربية، مثلا، فقد تعهدت السعودية بتقديم مبلغ 500 مليون دولار، والإمارات العربية المتحدة 300 مليون دولار والكويت 300 مليون دولار.
المعضلة هنا لا تكمن فقط في واقع أن السلطة الفلسطينية لم تستطع تنمية مواردها الذاتية، بسبب المعيقات والحصارات والممارسات التقييدية والتخريبية، التي انتهجتها إسرائيل ضدها وضد المجتمع الفلسطيني، في الضفة والقطاع المحتلين، خصوصا في السنوات السبع الماضية.
فإضافة إلى ما تقدم فإن هذه السلطة لم تعمل كما يجب، طوال المرحلة الماضية (أي منذ قيامها عام 1994)، من اجل تنمية مواردها الذاتية. فعلى العكس من ذلك فإن السلطة، وتحت ضغط اعتبارات غير مهنية، توجّهت، وربما اضطرّت، لتوسيع التزاماتها بتضخيم جهاز الموظفين لديها، وضمن ذلك الموظفين في الأجهزة الأمنية، لاعتبارات سياسية واجتماعية واقتصادية، تتعلق، أولا، باستيعاب الأعداد الكبيرة من المنضوين في العمل الفصائلي في مرحلة ما قبل قيام السلطة.
وثانيا، لامتصاص القادمين الجدد من المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع إلى سوق العمل. وثالثا، لتأمين متطلبات عيش أكبر قطاع من الفلسطينيين الذين يعانون إجراءات التهميش والحصار والتخريب الإسرائيلية، التي ازدادت وتفاقمت، لاسيما منذ اندلاع الانتفاضة أو المواجهات (أواخر العام 2000)؛ خصوصا مع وجود حوالي 600 حاجز في الضفة الغربية، وانخفاض الإنتاج بنسبة 40 بالمئة للفرد (بالقياس للعام 1999)، وازدياد نسبة الفقر، وارتفاع نسبة البطالة إلى ما يقارب 23 بالمئة من القوة العاملة في الأراضي المحتلة، علما أن نسبة البطالة في قطاع غزة باتت تزيد على 50 بالمئة (بحسب تقارير البنك الدولي).
(هآرتس 21 /12/ 2007)
ولعل كل ذلك يفسّر كيف أن السلطة باتت منشغلة، ومنهكة، ومرتهنة في سعيها تأمين رواتب حوالي 160 ألف موظف، 81 ألفا منهم في القطاعات الحكومية الوظيفية والخدمية، والباقي (نصفهم تقريبا!) في الأجهزة الأمنية، لعدد سكان يناهز على 5 ,3 ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع(بحسب البيانات الرسمية للسلطة الفلسطينية، حتى يونيو 2006)؛ بمعنى انه ثمة موظف لكل 24 من الفلسطينيين عموما، وبالتفاصيل فثمة موظف مدني، وموظف أمني، لكل 50 منهم، وهو عدد كبير، ومكلف جدا، بمختلف المقاييس، وللقطاعين المدني والأمني!.
وتفيد بيانات وزارة المالية الفلسطينية، للعام 2006، بأن كتلة الرواتب والأجور، في السلطة، تعادل مبلغا قدره 2 ,1 مليار دولار تقريبا (بمبالغ قدرها 19 ,678 مليون دولار للمدنيين، و81 ,502 مليون دولار للعسكريين)، وذلك من أصل إجمالي النفقات البالغ قدره 6 ,1 مليار دولار، تقريبا، في حين أن صافي الإيرادات المحلية (الضريبية وغير الضريبية) لم تزد على 60 ,351 مليون دولار.
وهذا يكشف حجم العبء التمويلي الكبير الواقع على كاهل السلطة، حيث أن الكتلة الأكبر من الموازنة تذهب للرواتب والأجور، وليس للإنفاق على الخدمات أو الاستثمارات، كما يبين ذلك ضعف موارد السلطة المحلية، واعتماديتها العالية على تمويل نفقاتها من الموارد الخارجية.
ويمكن الاستنتاج من كل ما تقدم بأن السلطة الفلسطينية باتت بمثابة معيل كبير للمجتمع الفلسطيني، بدلا من أن يقوم هذا المجتمع بتمويل سلطته، أو تأمين الجزء الأكبر من موارد دولته المفترضة، التي يتّضح أنها تفتقد للإمكانيات الذاتية اللازمة لقيامها واستمرارها وتطورها.
ولا شك أن هذا الوضع يخلق تداعيات، كبيرة وخطيرة، على الخيارات السياسية للسلطة، التي باتت أمام شعبها مطالبة بالشيء ونقيضه، فهي مطالبة بالاستمرار بتقديم مستحقات «الإعالة» الشهرية، من جهة، ومطالبة بالاستمرار بمواجهة الاملاءات الخارجية، وضمنها الإسرائيلية، التي لا تتلاءم مع الحقوق الفلسطينية، بشكلها الناجز، من جهة أخرى.
وعلى الصعيد الخارجي باتت هذه السلطة رهينة متطلبات الدول المانحة في عديد من القضايا السيادية، وضمنها إنهاء المقاومة والعنف (محاربة الإرهاب بالمصطلحات الإسرائيلية)، وإدخال تغييرات على شكل السلطة، وعلاقاتها الداخلية، تحت بند ما يعرف بإصلاح المؤسسات الفلسطينية.
الأنكى أن هذه السلطة، باعتبارها مازالت في موقع حركة التحرر الوطني، مطالبة بالاستمرار بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، واحتضان مقاومة شعبها لهذا الاحتلال، ومطالبة أيضا بمواجهة الاملاءات السياسية الإسرائيلية في عملية المفاوضات.
ومع هذا وذاك، فهي معنية، بنفس الوقت، باستمرار العلاقة الإشكالية والمتداخلة مع إسرائيل، التي مازالت تسيطر على مختلف أوجه الحياة في الكيان الفلسطيني، بسيطرتها على الحدود الخارجية، والمعابر من وإلى الأراضي الفلسطينية، ومن وإلى الضفة والقطاع، وبالنسبة لتحكمها بالواردات والصادرات، إلى الأراضي المحتلة، وبالنسبة إلى كونها مسؤولة عن إمدادات هذه الأراضي بالمواد الأساسية، من المياه إلى الكهرباء إلى المحروقات.
ومعلوم أنه كلما تقلصت قدرة كيان ما، أو دولة، عن تأمين مواردها الذاتية، وكلما زادت اعتماديتها على الموارد الخارجية، كلما تهيأت مسبقا للتفريط بجزء من سيادتها، والخضوع للاملاءات الخارجية. فمن البديهي أن تقيّد كل هذه المتطلبات والارتهانات السلطة، وتضعها في وضع إشكالي وحرج على كافة الأصعدة الداخلية والخارجية، وفي مواجهة إسرائيل، بغض النظر عن حقيقة توجهاتها أو خياراتها أو رغباتها.
وربما أن الأخطر من ذلك أن هذه الأحوال شوشت على طبيعة القضية الفلسطينية، بتحولها من حركة تحرر وطني، من الاستعمار والاستيطان الصهيوني، إلى مجرد حركة تتطلع لتأمين متطلبات العيش لشعبها. وتحويل القضية الفلسطينية، من قضية سياسية إلى قضية اقتصادية، وتحويل الاهتمام من مسألة إنهاء الاحتلال، إلى مسألة تأمين لقمة العيش للفلسطينيين، بغض النظر عن حقوقهم السياسية والوطنية.
لكن ما يجب الانتباه إليه هنا، هو أن التحول في هذه الاتجاهات لاينم عن جهل، أو عن تناس، وإنما ضمن رؤية مفادها، أن تحويل الفلسطينيين، من الناحية السياسية، يفترض إيجاد تحولات راسخة في بيئتهم الثقافية والاجتماعية، وخلق ظروف حياة جديدة لهم، من خلال تحويل سوق العمل، من سوق قائمة على التفرغ في الفصائل، والميليشيات المسلحة، إلى سوق عمل تتأسس على الانخراط في الوظيفة العمومية، والمؤسسات الخدمية، والمناطق الصناعية.
ولعل هذه التحولات هي ما تراهن عليه معظم الأطراف الفاعلة من الولايات المتحدة إلى أوروبا، إلى الطرفين المباشرين (إسرائيل والسلطة)، وهو ما يجري الإعداد له في هذه المرحلة، انفاذا لرؤية بوش بشأن الدولتين. وهذا، ربما، العنوان الأساسي للمرحلة المقبلة: بناء المؤسسات، وإيجاد مناطق صناعية، وتسهيل حياة الفلسطينيين في الضفة، لخلق تحولات ملائمة لحل سياسي يجري اختباره لاحقا؛ على شكل دولة فلسطينية، بغض النظر عن حدودها، وحدود سيادتها.
كاتب فلسطيني