رغم كل الجهود والأنشطة، نلاحظ أن دبي الحلم لا تزال أمامها الكثير من أجل أن يكون لها شخصية ثقافية محددة الملامح على وزن وأهمية دبي الاقتصادية التي حققت معدلات إنجاز اقتصادي جعلتها من المدن العالمية اقتصاديا على مستوى القطاع الخاص وجذب الاستثمارات وكفاءة الخدمات الحكومية والأطر المؤسسية والتشريعات والأنظمة، والبنية التحتية، و المرافق السياحية والعمرانية وكمدينتي الإنترنت والإعلام ومركز دبي المالي العالمي والمناطق المتخصصة، وتنويع مصادر الدخل الذي عوّض عن محدودية الاحتياطي النفطي.

إذن لا شك أن دبي الحلم الآن لها شخصية اقتصادية متميزة على المستوى العالمي، لكن هل هناك من يختلف أن شخصيتها الثقافية بحاجة إلى خطط وجهود كبرى تصب في إطار بناء جسر فعال لعبور الفجوة المعرفية التي تعاني منها المنطقة اليوم، ووضع حلول عملية وموضوعية تساهم في التغلب على التحديات التي تواجه المنطقة على المديين القريب والبعيد، وتحفيز الطاقات الإقليمية على الاهتمام بمجالات البحث والإبداع العلمي إضافة إلى الاهتمام بالجوانب الثقافية والفنية والتراثية.

فمع إيماننا الشديد بأهمية الاقتصاد، فإننا نريد التوقف في هذه المقالة، عند البعد الثقافي في دبي، فالتنمية الثقافية لدبي الحلم هي حجر الزاوية، ولذا فإن حكومة دبي تضع في حسبانها زيادة الوعي والاهتمام بالنشاطات الثقافية والفنية، وتعمل على تشجيع وتعزيز المواهب الثقافية الوطنية، وتطوير مرافق عالية المستوى لاستقطاب الفعاليات الفنية والثقافية العالمية.

إن الثقافة في إمارة دبي لا تزال بحاجة إلى جهود متعددة من أجل أن تصل مرحلة الغنى والثراء والتنوع، في إطار الثقافة الوطنية الواحدة لإمارات الدولة الاتحادية، ولا تزال بحاجة إلى ما يزيدها قابلية للانفتاح الإبداعي على ثقافات العالم العربي بكل تنوعها التاريخي.

إن التاريخ الثقافي لدبي يمثل صورة من صور الثقافة العربية - الإسلامية، فالثقافة في إمارة دبي كانت مواكبة للحالة الثقافية في الأمة العربية والإسلامية، مما يدل على أنها جزء لا يتجزأ من هذه الأمة، ومما يدل أيضا على أن رجالها ونخبتها على وعي بدوائر الانتماء ومحاور التحرك الثقافي على المستوى الوطني والقومي.

وشهدت الثقافة في الإمارات حالات من الصعود والانحسار مصاحبة لكل حالات صعود وانحسار الثقافة العربية - الإسلامية. وآخر مراحل النمو والازدهار كانت في ديسمبر 1971، مع قيام دولة الإمارات العربية المتحدة؛ حيث اتسعت رقعة التعليم، وكان المواطن هو المستهدف من أي تنمية، ولذا كان حرص الدولة على توفير كل وسائل التعليم والرعاية الثقافية والفنية والاجتماعية وغيرها من الخدمات.

وتمكنت دبي مع سائر إمارات الاتحاد - من أبوظبي إلى الفجيرة- من التحول من المرحلة البدائية إلي المرحلة الحضارية، بفضل نجاح أبنائها في تحقيق نقلة حضارية في كافة المجالات انطلاقا من النهضة التعليمية وما ترتب عليها من نهضة ثقافية، وبفضل السياسات التي تستفيد من العلوم الحديثة والمعرفة العصرية والانفتاح علي العالم واتباع أساليب التثقيف والتربية والتعليم المعتمدة في دول العالم المتقدم.

ورغم كل الجهود المخلصة التي بذلها أبناء دبي وقادتها يجب أن تفكر دبي في إستراتيجيات جديدة تعزز من خلالها الثقافة الإماراتية عن طريق انتهاج أساليب جديدة في التواصل والتفاعل مع الآخر، وتأسيس نهج واضح وبناء، يلبي حاجة المنطقة للتكامل والعمل الثقافي المشترك، ويعمل على تعزيز علاقات التعاون الثقافي والفني مع الدول الصديقة، وتعزيز ثقافة المجتمع وتطوير وعيه بأهمية المشاركة والتعاون والمساهمة في عملية تلاقح الثقافات والحضارات على أرض دبي الحلم.

وفي سياق الفن نجد دبي أنشأت الفرق الغنائية والموسيقية والمسرحية والفنون الشعبية والتشكيلية، ودعمتها ووفرت لها الكوادر التدريبية من الدول العربية الأخرى، كما أرسلت بعض البعثات إلى المعاهد الفنية العربية للدراسة.

أضف إلى هذا المعارض الجماعية والجداريات الفنية الإماراتية والنشاط المسرحي والسينمائي، و الإبداع الشعري والمؤسسات الثقافية ودور النشر. وقل الأمر نفسه في القصة والرواية والمقال الصحافي والنقد الأدبي.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه : هل صار لدبي نتيجة تلك الجهود شخصية فنية متميزة على الأقل على المستوى العربي؟

طبعا لا..

ومن ثم هناك جهود كبيرة علينا أن نبذلها، لاسيما في دعم القطاعات الناجحة مثل مسرح دبي الأهلي الذي تعرض لبعض العثرات ولابد من احتضان مسرح دبي الأهلي لكي يقف كواحد من الأركان الرئيسية التي تقوم عليها الحياة الفنية في دبي، والدخول به إلى مرحلة جديدة من التطور والإبداع والإنجاز، في خطوة مرافقة لدعم كافة القطاعات الفنية الأخرى.

ولا شك أن المؤسسات الثقافية ومراكز الأبحاث المختلفة في دبي متعددة وتقوم بدور مهم، مثل: ندوة الثقافة والعلوم بدبي، ومركز محمد بن راشد للتواصل الحضاري، ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، ومؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، والمجلس الثقافي بدبي...إلخ.

ولعل آخر الجهود في سبيل تدعيم دبي الثقافية هو إنشاء «مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم» التي أنشأها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وتعنى بإطلاق جهود التنمية العربية الإقليمية.

وذلك بتقديم الدعم للعقول والقدرات الشابة، والتركيز على العطاء للبحث العلمي والتعليم والثقافة، والاستثمار في البنية الأساسية للمعرفة، والسعي لتوفير فرص متساوية لأبناء المنطقة في التقدم والحياة الكريمة ومساعدتهم على مواكبة ركب التطور العالمي والمشاركة بشكل إيجابي في تحديد ملامح المستقبل.

والجهود الحكومية الكبيرة وحدها لا تكفي، بل لابد من تشجيع ودعم إقامة الجمعيات والنوادي الثقافية الأهلية، وتقديم كافة الوسائل التي تساعد هذه النوادي على القيام بدورها في عملية التنمية بهدف إدماج اكبر عدد من المواطنين والمواطنات في عملية التنمية الثقافية سواء داخل دبي أو على مستوى الحركة الثقافية الاتحادية.

ويجب أن يكون القدوة في ذلك مركز جمعة الماجد للتراث والثقافة الذي يقدم نموذجاً جيداً لما يُمكن أن يُسهم به القطاع الخاص ورجال الأعمال في البُنيات الثقافية في دبي للارتقاء بالوعي الثقافي وتدعيم التفاعل الثقافي وخدمة الباحثين والمختصين بتمكينهم من وسائل البحث وتوفير مادته الموثقة.

ولا يمكن رصد كافة المشاريع الثقافية المتنوعة التي قدمتها دبي في مقال واحد، كما لا يمكن طرح كل ما يمكن فعله مستقبليا، لكن يكفي في هذا الإطار التأكيد وإعادة التأكيد على ضرورة تضافر الجهود من الحكومة ورجال الأعمال والمواطنين ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل دعم الحياة الثقافية في دبي.

وبطبيعة الحال ليس قطاع التعليم وحده هو من يتحمل مسؤولية دعم الحياة الثقافية، بل هناك قطاعات عديدة تتحمل أيضا المسؤولية، مثل قطاعات الإعلام والشباب و تنمية المجتمع والفنون، فلكل منها دور محدد في التنمية الثقافية والنهضة الفكرية.

إن النهضةَ الفكرية عملية معقدة وبالغة التركيب، وتستلزم جهودًا متنوعة ليس فقط على المستوى الثقافي البحت، بل تشمل كافةَ المستوياتِ السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولابد من التفكير المنظم والتخطيط العلمي؛ فالفكر يسبق العمل، والوعي بعملية التقدم أمرٌ بالغ الأهمية. وإذا أردنا الإصلاح فلا بدَّ من أن نقوم بنشر الوعي الثقافي والأدبي والفني بين الشباب؛ فهم روحُ الإمارة، وهم طليعةُ الحراك الثقافي والفني والأدبي في دبي.

ومن ثم لابد من التأكيد على ضرورة تكثيف مزيد من الجهود المستقبلية من أجل أن يحدث تعادل بين شخصية دبي الثقافية وشخصية دبي الاقتصادية. فلا تتوازن حياة الإنسان إلا بالتوازن بين الجوانب الاقتصادية من ناحية وبين الجوانب الفكرية والأدبية والفنية والثقافية العامة من ناحية أخرى.

بل إن الثقافة ليست محورا منفصلا عن سائر المحاور، بل هي فكر عام يمثل المرجعية لكل نشاط وكل عمل؛ وتشمل أي نوع من التفكيرِ المنظم، كما تشمل كل أشكال الوعي. ولذا فإن الثقافة الحقة ليست منعزلة عن الاقتصاد ولا عن السياسة.

جامعة الإمارات

moc.liamtoh@cod_ka3aR