«عملاء أجانب» (Foreign Agents) كتاب صدر مؤخراً يمثل قنبلة سياسية ثانية في الوسط السياسي داخل الولايات المتحدة. والعملاء الذي يتحدث عنهم المؤلف غرانت سميث هم مجموع المنظمات والجماعات والشخصيات التابعون للحركة اليهودية الأميركية الذين يخدمون عن طريق هذه الحركة مصالح إسرائيل. ولأن إسرائيل دولة أجنبية فإن هؤلاء يعتبرون في حكم «عملاء أجانب». هكذا يقول المؤلف بأعلى درجات الجرأة.
والكتاب قنبلة سياسية ثانية لأنه قد سبقه كتاب مماثل بعنوان «اللوبي الإسرائيلي وسياسة أميركا الخارجية» من تأليف أكاديميين أميركيين يحظيان باحترام أكاديمي كبير ـ مير شايمر ووالت ـ وكلاهما أستاذ علوم سياسية.. الأول في جامعة شيكاغو والثاني في جامعة هارفارد.
محور كتاب سميث هو نشاط «لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية» ـ التنظيم المظلي للجماعات اليهودية الأميركية ـ واللوبي الإسرائيلي التابع لها.
ومحور هذا النشاط كما يراه المؤلف هو التأثير القوي للجنة واللوبي على العملية السياسية الأميركية إجمالاً بعد أن سيطرتا عليها، ومن خلال شرحه المفصل لعملية اللجنة يخلص سميث إلى أن ما يواجهه الشعب الأميركي ما هو إلا «طابور خامس» ينبغي أن «نتحداه ونهزمه»، ويمضي في هذه الجرأة غير المألوفة في الوسط السياسي الأميركي فيحذر من أن «لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية خطر على أمن أميركا «باستخدامها المال والقوة السياسية لصالح حكومة أجنبية (إسرائيل) على حساب دافعي الضرائب الأميركيين».
عندما صدر الكتاب الأول ـ «اللوبي الإسرائيلي وسياسة أميركا الخارجية» ـ طغت حالة اندهاش في الرأي العام الأميركي، فالمؤلفان الأكاديميان طرقا موضوعاً يحظر الخوف فيه في الولايات المتحدة، فمن يتطرق إليه ولو رمزياً يعرض نفسه لتهمة معاداة السامية، وبالتالي يعرض سمعته للتشويه، بل وحياته للخطر، والآن وبصدور الكتاب الثاني الأشد جرأة وصراحة يتضاعف الاندهاش.
يقول المؤلفان الأكاديميان ان اللوبي الإسرائيلي أقحم الإدارات الأميركية المتعاقبة في الشؤون السياسية للشرق الأوسط دون مبرر سياسي أو أخلاقي كتبرير المساعدات المادية السخية لإسرائيل رغم احتلالها الأراضي الفلسطينية والمواجهات الأميركية التي لا داعي لها مع سوريا ولبنان لصالح إسرائيل ودعم القصف الإسرائيلي للبنان عام 2006 الذي انتهك قوانين الحرب، وحرب العراق التي «ربما لم تكن لتحدث في غياب اللوبي الإسرائيلي».
ويستخلص المؤلفان من ذلك أن اللوبي الإسرائيلي ساعد في جعل أميركا تتجاهل أمنها الخاص كي تدعم أمن إسرائيل، وينبهنا الكاتبان إلى ان من يعملون لحساب إسرائيل ليسوا منظمات وشخصيات يهودية فقط، فهناك أيضاً متبرعون سياسيون من غير اليهود ومتشددون مسيحيون ومسؤولون حكوميون ممن يعتنقون فكر «المحافظين الجدد» ورجال الإعلام ممن يتهمون منتقدي إسرائيل بمعاداة السامية، ماذا نستنتج من كل ذلك؟
نستنتج ان «الصدر قد ضاق بما لا يقال» (كما ورد في شعر عمر الخيام المترجم). إذ لا يعقل أن يخاطر أكاديميون أميركيون رفيعو المستوى بالمكانة والسمعة الأكاديمية بل بحياة كل منهم ما لم يكونوا قد توصلوا إلى قناعة واقعية بأن هناك إرهاصات تشي ببداية تقلص النفوذ اليهودي الصهيوني على مؤسسة السلطة الأميركية.
ومما قد يستدل به انها مخاطرة محسوبة هو أن قيادات الحركة اليهودية الأميركية لم تشأ أن ترفع دعوى قضائية ضد أي من هؤلاء الأكاديميين، ربما بسبب إدراك هذه القيادات بأن مثل هذه الدعوى قد تعزز مردوداً سالباً على المستوى الجماهيري الأميركي.