مرة أخرى تؤكد إسرائيل، بالأحرف النافرة والصورة المكبرة، أنها لا تملك ولا تقتني من عدة السلام؛ غير أدوات قتله. ومرة جديدة تثبت، بالمكشوف، بأنها في غير وارد التوصل إلى سلام، الا مع شعب فلسطيني مقتول؛ تتولى آلتها العسكرية العدوانية نحره. حفلة الموت التي أقامتها أمس الأول، في غزة، رسالة لا تخطئ؛ بهذا المعنى. توغل قواتها في مناطق القطاع، مع ما صاحبه من قصف بري وجوي وعمليات لقوات خاصة؛ حصد حوالي 20 شهيداً وأكثر من 50 جريحاً.
شبه الاجتياح، الأوسع نطاقاً منذ أشهر؛ بدا أيضا وكأنه مقدمة لاجتياح أوسع، مافتئت الدوائر الإسرائيلية، السياسية والعسكرية، تتعمد التلويح به منذ فترة. حجمه والأسلحة التي استخدمها فيه الجيش الإسرائيلي، ناهيك بتجريف الحقول والأراضي الزراعية؛ كله أقرب إلى تمرين يسبق ما هو أكبر وأعمق. أي ما هو كفيل باغتيال ما تبقى من أنابوليس وفرص التسوية. وليس صدفة أن ترتكب إسرائيل هذه المجزرة مع انطلاق التفاوض على القضايا النهائية.
الهدف النهائي بالنسبة إليها، ليس أقل من مواصلة وتصعيد العدوان؛ من كافة جوانبه. واستهداف البشر والحجر كان الثابت، الذي لم يتغير. لا الاتفاقيات ولا الوعود ولا التواقيع؛ وآخرها أنابوليس، أزاحتها عن هذا التوجه. رئيس الحكومة أولمرت، بعد كل الكلام المعسول عن «السلام» والتسوية ومحاولات الظهور بمظهر الحريص على تنفيذ التزامات ومستلزمات التوافق الأخير، سارع، قبل العدوان بساعات؛ إلى استبعاد التوصل إلى حل نهائي مع الفلسطينيين قبل نهاية 2008.
طبعاً مع وجبات الموت هذه وتوابعها، لا يستقيم السلام ولا يستوي. لكن إذا كانت إسرائيل قد اعتادت أن تلحس كلامها وتبتلع وعودها لترجع دائماً إلى لازمتها المعهودة؛ فإنه ليس من باب الصدفة أيضاً ولا فقط العادة؛ أن تعمل على تصعيد اعتداءاتها وتعظيم حصيلتها وكلفتها كلما تعمقت واشتدت الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية بذلك هي تضرب عصفورين بحجر واحد: تعمق الشرخ الفلسطيني وترسخ قاعدة الاستفراد. والحصيلة رفع وتيرة التأزم بين الأطراف الفلسطينية.
الأنكى أن هذه الأخيرة باتت تدرك ولا شك هذه اللعبة وأخطارها؛ ومع ذلك هي غير قادرة على إحباطها. عندما يطرح موضوع المصالحة، في ضوء الحاجة القائمة لتحقيقها، تندلع حرب الشروط والشروط المضادة؛ التي أطاحت حتى الآن بالمساعي والمحاولات التي جرت لرأب الصدع وإعادة المياه الفلسطينية إلى مجاريها.
وصار من الواضح أنه بقدر ما تتعثر عملية إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وطي صفحة تناحراته ومناكفاته، بقدر ما تتجذر الخصومة ويتوسع التباعد.
بل العداء ودائرته. وإسرائيل تدرك تماماً أن المزيد من تعنيف ضرباتها، في ظل هذه الأجواء؛ محكوم بأن يؤدي إلى تعميق الجرح الفلسطيني ورفع منسوب النفور المتبادل، بين الأخوة المتناحرين، الذين تجمعهم وحدة القضية والمصير؛ مهما بلغ الخصام والانقسام بينهما. ولا شك أن إسرائيل لا تزال تراهن على دفع الشقاق الفلسطيني إلى المدى المؤدي إلى الفتنة الأهلية الواسعة. من البداية وضعت هذا الهدف نصب عينيها.
الوعي الفلسطيني أفشل رهانها. وهنا الوجه الإيجابي. لكن هذا الوعي لم يقو على تحصين الوحدة ضد الاشتباك السياسي الذي انتهى إلى الانقسام. الآن هو مطالب بتجاوز هذا الوضع. البديل تمادي إسرائيل في عدوانها الذي كانت المجزرة الأخيرة أحد نماذجه.
