الفارق شاسع بين الكلمات والوعود التي تطلقها الحكومة الإسرائيلية حول التوصل إلى حل سياسي مع الفلسطينيين والعرب يحقق سلاما مستداما، وما بين الإجراءات الوحشية التي تتمثل في الحصار والإعتداءات العسكرية المتواصلة على الشعب الفلسطيني.
في المحصلة النهائية فإن ما يبقى في الذاكرة وما يمس الشعور هو المعاناة الناجمة عن القصف والقتل والإغتيال والإعتداء والتي يتسبب بها الاحتلال الإسرائيلي وهي التي تجعل الحديث عن السلام يبدو بعيدا المنال.
جريمة غزة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية وتسببت في إستشهاد 17 فلسطينيا وجرح العشرات جعلت وعود السلام اللفظية تتبخر مرة أخرى مثل الدخان الناجم عن الجريمة ، وإذا كانت الوعود الإسرائيلية خالية من المصداقية منذ البداية فإن هذه الجريمة اضاعت ايضا اية نتائج إيجابية كان يمكن لزيارة الرئيس الأميركي جورج بوش أن تحدثها بل أنها قد تعطي إنطباعا بأن إسرائيل حصلت على الضوء الأخضر لهذه الجريمة والإعتداءات المتوقعة القادمة على غزة من الإدارة الأميركية وبدأت بتنفيذها حتى قبل مغادرة الرئيس بوش للمنطقة.
جريمة أمس عززت النظرية القائلة أن الهدف الرئيسي لزيارة الرئيس الأميركي كانت الحشد للتهيئة لإجتياح عسكري إسرائيلي لقطاع غزة والتحضير لعدوان مرتقب على إيران وأن الحديث المتواصل حول الدولة الفلسطينية والسلام ليس إلا شعارات للتسويق السياسي والشعبي، وإلا كيف نفسر أن النتيجة العملية الوحيدة لهذه الزيارة في نطاقها الزمني كان الجريمة البشعة في غزة؟
الرؤية الإسرائيلية للسلام في المنطقة تجسدها تصريحات وزراء في الحكومة في جلسة عقدت قبل يومين حيث تباهى رئيس جهاز الإستخبارات الداخلية الشاباك بأنه قتل خلال عامين في قطاع غزة ألف فلسطيني، واصفا اياهم بـ "الارهابيين"، وليسارع سلفه وزير الأمن الداخلي للفت نظره بأن هذا العدد "يساوي فقط" 5% من أصل 20 ألف عنصر فلسطيني في القطاع.
هذا السباق الدموي نحو القتل والإرهاب يجسد العقلية الإسرائيلية التي ترى في كلمة "السلام" مصطلحا غريبا وغير قابل للتطبيق في ظل سياسة عدوانية وعنصرية تجاه حقوق الشعب الفلسطيني وكرامته الإنسانية.
تبقى المسؤولية العربية كبيرة في حماية الشعب الفلسطيني. صحيح أن الدول العربية قد اختارت المضي قدما في خيار السلام من خلال المبادرة العربية ولكن هذا الخيار لا يعني عدم وجود خيارات بديلة يمكن أن يتم الإتفاق عليها داخل البيت العربي في حال لم يستجب الطرف الإسرائيلي لليد العربية وإستمر في ممارسات القتل والعدوان والوحشية.
وفي هذا السياق يتحمل القادة السياسيون في فلسطين مسؤولية تاريخية في التوصل إلى تفاهم ينهي العزل والفصل بين الضفة الغربية وغزة ويجعل هذه القيادة تتحدث بخطاب واحد لمصلحة الشعب الفلسطيني بعيدا عن الخلاف الذي يضعف المواقف الموحدة.
الخيارات السياسية قائمة أمام الدول العربية وفي سياق الإستناد إلى الشرعية والقانون الدولي لممارسة الضغوط الضرورية على الحكومة الإسرائيلية المتبجحة بمنطق القوة وكذلك على إدارة أميركية لا تستطيع أن تقرن وعودها الكلامية بالأفعال ولا حتى حماية الشعب الفلسطيني من العدوان الإسرائيلي المستمر.
إذا كانت المجزرة في غزة أمس فكل الشعب الفلسطيني والعربي معرض للمزيد من العدوان الإسرائيلي سواء كان عدوانا عسكريا مباشرا أو من خلال تأثيرات سياسية واقتصادية سلبية ناجمة عن غرور القوة والوحشية الإسرائيلية الرافضة لأي إلتزام بالإستحقاقات المطلوبة لتحقيق السلام في المنطقة، وهذه مسؤولية فلسطينية وعربية ودولية في إيقاف العدوان الإسرائيلي والذي يمثل اساس كل المشاكل في العالم العربي وجواره الأكبر في الشرق الأوسط والتي تمتد أحيانا إلى دول كثيرة في العالم.
الحل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وعدوانيته المفرطة.
