قد يختلف الكثيرون حول تقييم أول وأطول جولة للرئيس الأميركي جورج بوش في المنطقة، والتي بدأها الأسبوع الماضي من فلسطين المحتلة وشملت معظم دول مجلس التعاون الخليجي قبل أن يختتمها اليوم الأربعاء في مصر، لكن الجولة، على أي حال، حفلت بالعديد من المواقف والدلالات التي تستحق التوقف عندها والتركيز عليها، أو الإشارة إلى بعضها على الأقل، في حدود المساحة المتاحة وما تسمح به القراءة الأولية لمسار الجولة وما تبدى من نتائجها.

فقد استُقبل الرئيس بوش في كل المحطات العربية التي زارها، بحفاوة بالغة تليق برئيس الدولة الكبرى والأهم في عالم اليوم، وبما يناسب واجب الضيافة والكرم العربي المعهود، لكن يبدو أن الرئيس ومستشاريه قد أساءوا فهم الحفاوة والتكريم الذي قوبلوا به، ولم يستوعبوا الدلالة الأهم لهذا التكريم الذي شمل جوانب تراثية متجذرة في تاريخ العرب وماضيهم.

كما شمل إبراز مظاهر التطور والمعاصرة التي وصلت إليها هذه الدول، في مجالات الإعمار والرخاء الاقتصادي ومواكبة أحدث المبتكرات التكنولوجية، خاصة في منطقة الخليج التي أصبحت نموذجا للنمو والاستقرار، فالدلالة الأهم، في نظري، لكل ما لقيه الرئيس ووفده من حفاوة وتكريم، هي التأكيد على أن هذه المنطقة وأهلها، وعلى المستويين الرسمي والشعبي، تواقون إلى السلم والعيش بطمأنينة ورخاء، وليسوا دعاة حرب ولا أهل عنف بطبيعتهم، كما قد يعتقد الرئيس أو يروج له بعض معاونيه ومستشاريه.

لقد كان المفترض، أولا في مقابل هذه الحفاوة، وثانيا من موقع رئيس دولة بحجم ومستوى الولايات المتحدة، وهو يزور منطقة تضطرم بالصراعات والنزاعات، أن يحمل معه حلولا جدية أو بعض الحلول لمشاكل المنطقة، وأن يأتي بما يهدئ روع أهلها ويقرب المسافات بينهم، أو في الحد الأدنى، أن يترك المنطقة على حالها دون أن يرفدها بالمزيد من الحطب ودلق الزيت على نيرانها الملتهبة أصلا وملء جراحها النازفة بالملح وكل أسباب التحريض والإيلام.

لكن الواقع المنظور هو أن الرئيس في كل محطة، كان حريصا على توزيع الاتهامات والتهديدات، يمينا ويسارا وفي كل اتجاه، حتى كاد ينعت نفسه سهوا أو من شدة الحماس! وحجته في ذلك «مكافحة الإرهاب» ومواجهة التطرف والتشدد، وربما يكون محقا في ما قد يكون في مستقبل لا يزال غيبا غير معلوم، أو ربما استحضر وقائع تاريخية معروفة وقريبة حيث كانت أميركا الدولة الأولى والوحيدة، حتى الآن، التي استخدمت الأسلحة النووية ضد المدنيين الأبرياء وما زالت تمارس الاحتلال وتدعمه.

وإذا كان هناك متطرفون في المنطقة أو ممن ينتمون إليها، فمثل هؤلاء موجودون في كل أمة وفي كل بلد، كما هو الحال في أميركا نفسها. لكن الفرق بيّن وشاسع، فالمتطرفون عندنا منبوذون خارجون على القانون وملاحقون في كل مكان، بينما المتطرفون الأميركيون شركاء في الحكم أصلاء في رسم السياسات وصنع القرار.

وجولة الرئيس، التي جاءت أشبه ب«مكافأة نهاية الخدمة» في آخر سنة من سنواته الثماني رئيسا لأميركا، لم تخل من بعض مظاهر التطرف والتشدد المفرط. فقد بدأها بإلغاء حق العودة للمواطنين الفلسطينيين الذين اغتصب وطنهم وهجّروا رغم إرادتهم، دون ذنب اقترفوه أو جرم ارتكبوه.

كما أن الجولة بشكل عام اكتست طابع التهديد والتحريض وبث الفرقة بين الأشقاء والجيران، على عكس ما ينتظر أو يفترض من دولة عظمى تنادي بالحرية والديمقراطية، وتضع نفسها في موقع الزعامة العالمية، مع ما يستوجبه ذلك من مسؤولية سياسية وأخلاقية في حفظ السلم والأمن الدوليين.

وفي هذا دلالة أخرى على أن الفشل المتكرر للسياسات الأميركية، في المنطقة خاصة وعلى مستوى العالم بشكل عام، لا يزال استيعاب دروسه واستخلاص العبر اللازمة منه خارج إطار صنع القرار والممارسة السياسية لإدارة الرئيس وفي محيطه، رغم كل الخيبات والإخفاقات.

وقد أومأ الرئيس، مشكورا، وإن بشكل عابر إلى دور العرب في الحضارة والتاريخ الإنساني، مشيرا إلى أن منطقتنا هي الموطن الأصلي للديانات السماوية، وتلك بضاعتنا ردت إلينا وليس فيها ما يُمنّ علينا، لكن الرئيس على ما يبدو نسي أن هذه المنطقة أيضا هي موطن أقدم الحضارات وأعرقها، من أرض النيل مرورا بفلسطين والجزيرة العربية حتى بلاد ما بين النهرين، امتدادا إلى ما وراء شط العرب من أرض فارس. وكلها حضارات يمتد عمرها آلاف السنين، وليست بنت قرن أو قرنين.

لقد كانت الجولة فرصة ثمينة لتستعيد أميركا صورتها كبلد للحريات والديمقراطية الحقيقية، وبما ينسجم مع تاريخها كأمة ناضلت من أجل حريتها ووحدتها واستقلالها، وضحت بالكثير في سبيل ذلك.

فلماذا تحلل أميركا لنفسها ما تحرمه علينا وتمنعنا من تحقيقه؟!