كانت أزمة الصواريخ الكوبية قمة التمدد العسكري الروسي في الخاصرة الأميركية، كان ذلك في ستينات القرن الماضي، واليوم يحدث تمدد عسكري أميركي في الاتجاه المعاكس ليس فقط عبر الدرع الصاروخية المثيرة للجدل والتي يحاول الأميركيون نصبها في دول كانت حتى انهيار الاتحاد السوفييتي جزءاً من حلف وارسو، بل عبر مواجهة ضارية أميركية روسية تجمع بين استعراض العضلات والدفاع عن الهوية والمصالح ومعانٍ أخرى عديدة تحفل بها أزمة إقليم كوسوفو التي هي على الأرجح صراع أميركي روسي يجري على أرض البلقان بالضبط كما كانت أزمة الصواريخ الكوبية، حتى لو بدأ الأمر قضية صربية!

شهادة نمساوية

من الشهادات المهمة في هذا السياق شهادة ألبرت روهان وزير الخارجية النمساوي السابق ونائب مبعوث الأمم المتحدة الخاص لكوسوفو الذي يقول: «لقد كنت حاضراً مراسم أداء اليمين وتنصيب (الرئيس) كوستونيكا عقب سقوط (الرئيس السابق «سلوبودان ميلوسيفيتش»).وسمعت مراراً وتكراراً لقد سئمنا من كوسوفو، نريد وظائف، لا نريد أن نقضي أجلنا ونحن ندافع عن كوسوفو، نريد أموالاً وحياة أفضل.

ولكن هذا الحديث قد تغير الآن». فجزء كبير من المناقشات الجديدة تذكيها تصريحات روسيا بشأن عزمها التصدي لاستقلال الإقليم في مجلس الأمن الدولي، وكذلك شعور بأن الولايات المتحدة وأوروبا منشغلين، أو منقسمين إلى حد بعيد لدرجة عدم إتمام ما يطلق عليه الفصل الأخير من حروب البلقان في التسعينات.

وحسب كريستيان ساينس مونيتور الأميركية فإن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قد وافق خلال لقائه الأول مع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، مؤخراً على ضرورة إيجاد سبيل لتجنب إهانة صربيا من خلال اتفاق نهائي.

وتنقل الجريدة الأميركية عن مفكر سياسي من بلجراد، اشترط عدم الكشف عن هويته، أن: «النخبة السياسية لا تريد الألبان داخل المجتمع الصربي، ولكنهم يريدون الأرض».

القضية إذن قضية استغلال مكشوف للمشاعر القومية التي تجمع الروس والصرب (العرق السلافي والمذهب الأرثوذكسي)، حيث يستغل الروس هذه المشاعر لتكون وقوداً لمواجهة أميركية روسية عبر «قفاز بلقاني».

الفيتو الروسي

وفي التصعيد الروسي المحسوب أعلنت روسيا بشكل متكرر خلال الأسابيع الماضية أن استقلال كوسوفو خط أحمر، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصف استقلال الإقليم بأنه تهديد للسلام في أوروبا الذي يمكن أن يقوم فقط باحترام وحدة أراضي صربيا، وقد قال خلال احتفال في الكرملين «اليوم يدافع شعب صربيا عن سيادته ووحدة أراضيه».

واستطرد بوتين إن «السلام في أوروبا لا يمكن أن يقوم دون أن توضع في الاعتبار مبادئ القانون الدولي الأساسية» وكان حلف شمال الأطلسي «الناتو» حذر من تأخير إعلان استقلال إقليم «كوسوفو»، وأعرب بشدة ـ عن تأييده لخطط الأمم المتحدة لاستقلال الإقليم تحت إشراف المجتمع الدولي.

أشباح الصراع

التصعيد الروسي في الملف البلقاني بلغ قمته بالإعلان عن استخدام الفيتو ضد أي قرار دولي يمنح الإقليم استقراره وهذا ما صرح به نائب وزير الخارجية الروسي الكسندر ياكوفينكو، مؤكداَ أن روسيا لا يمكن أن توافق على تقسيم صربيا فهي دولة مستقلة، وهو ما يعني «خرق الأعراف الدولية ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة».

ويساند الخطاب الرسمي الروسي خطاب تحليلي يبالغ في رسم سيناريوهات فوضى ستترتب على استقلال الإقليم، واصفين ذلك بأنه «سيغدو سابقة سياسية خطيرة سوف تسبب تصاعد التوتر في البلقان وكل أنحاء أوروبا»!!

في المقابل يتصاعد الحديث عن روسيا العائدة إلى ساحة السياسة الدولية بقوة لـ «مواجهة» الولايات المتحدة، إذاعة «صوت روسيا» بثت قبل أيام (91 ـ 2008) تقريراً يتبنى هذا الاحتمال، فالاستنتاج الرئيسي فيه أن روسيا تستعيد مواقعها الجيوسياسية بسرعة.

والتقرير تحليلي خاص بالسنة المقبلة أعده مركز «ستراتفور» العلمي الأميركي. وهو منظمة غير حكومية تقوم بالتنبؤ بسير العمليات الجيوسياسية ولهذا السبب أطلق عليها في الولايات المتحدة اسم «مخابرات الظل».

وجاء في التقرير أن مواقع روسيا الجيوسياسية أصبحت نحو بداية سنة 2008 أقوى مما كانت عليه طوال الفترة التي أعقبت مرحلة الحرب الباردة. فقد انحلت كل مشكلات موسكو بنجاح ويجري بنشاط تعزيز الجيش وتجهيزه بمعدات عسكرية جديدة وعائدات تسويق النفط كبيرة حقاً وتم تسديد دين روسيا الخارجي.

وفي الحقيقة فإن التقرير كما عرضته الإذاعة الروسية يستعيد المنطق الذي أدى في النهاية لانهيار الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة، فالقوة هي في المقام الأول القوة العسكرية والمؤشر الرئيسي هو تعزيز الجيش وتجهيزه بمعدات عسكرية جديدة، أما العوائد الرئيسية التي يشير إليها التقرير كقاطرة للاقتصاد السائر على طريق التقدم فهي عوائد اقتصاد ذي سلعة واحدة وهي سلعة لا تصدر مصنعة بل في شكلها الخام.

وهذا هو نفسه المنطق الذي كان يتم التفكير في الاقتصاد من خلاله قبل عقود. ولا يشير التقرير من قريب أو بعيد إلى تقدم في كفاءة إدارة الدولة أو تطور إيجابي في الإنتاج التكنولوجي الذي أصبح القاطرة الحقيقية للاقتصاد المعاصر، اقتصاد المعرفة والفكرة لا اقتصاد الموارد الطبيعية الذي تجازوه الزمن.

الطريف أن هذا الذي يبالغ البعض في أهميته في الإعلام الروسي والعربي معاً يظل بضاعة «شعبوية» بينما الموقف الرسمي الروسي مختلف حيث تنظر موسكو إلى هذه المسألة من منظور مغاير. فصرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قبل أيام بأن روسيا لن تسمح بتوريطها في المواجهة من جديد. وهي مصممة على انتهاج السياسة الخارجية التوحيدية وعرض حلول بناءة للمشكلات الدولية.

ورغم هذه الروح التوافقية التي تحاول روسيا الحفاظ عليها في علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية فإن قضية كوسوفو تمثل استثناءً ويخوض الروس غمار النقاش بشأنها ـ لأسباب تتصل بالهوية والأمن القومي معاً ـ بروح متشددة إلى أقصى درجة وعلى أرض طرف ثالث فإن روسيا ليست في حالة مواجهة مع الولايات المتحدة.

أما صربيا فغالباً ستجد نفسها بعد قليل في مواجهة المجتمع الدولي كله وعلى الأرجح لن ينقذها الفيتو الروسي لكن نخبتها الحاكمة ستكتشف بعد فوات الأوان أنها ما كان يجب أن تخوض على أرض بلادها معركة روسية نيابة عن الروس. إنها بعض بقايا زمن الحروب بالوكالة، وارجعوا إلى شهادة المسؤول النمساوي!

كاتب مصري