اشتغل الكثير من علماء العلوم الاجتماعية بقضايا التغير إلا أن هذا الاهتمام جاء في أحيان كثيرة عاجزا عن تفسير الواقع أو عن فهم آليات تغيره أو عاجزا عن تفسير ردود أفعال البعض منا نحو هذا التغير من خلال ردات فعلها نحو المؤسسات أو الرموز الحاملة لرسالة التغيير هذه.

وككل التغيرات التي تحدث في المجتمع فإنها لا يمكن أن تأتي حافظة للمستودع الحافظ للقوة وقيمها في المجتمع بل إنها وعبر فسحتها الزمنية قادرة على إحداث بعض التغيير وإن بدت هناك محاولات لتعكير مساره أو تأجيله أو توظيفه لغير مراميه وأهدافه البارزة، وهو باعتقادي أمر طبيعي وإن طاب له أن يكون كذلك بعض الوقت. ولهذا فإننا نوجز ملاحظاتنا على ما يحدث من تحول في بعض أقطارنا على النحو التالي:

أولا: لا يمكن لنا أن نحاكي في مقارباتنا العلمية التحول وآلياته في الحالة العربية بالتحولات القائمة في منطقة الخليج العربي. فعمليات التحول وإن كان النفط أحد أهم أسبابها الأولى، إلا أن العملية في حالتها الأخيرة لا يمكن إلا أن تعزى سرعة وتائرها لما يسمى بالثورة المعلوماتية وحدها، وقد أُضيف إليها ما يسمى بالتحول العمراني الكبير في المنطقة. أو ما أُسميه بالتنمية الأسمنتية التي باتت تشكل أحد أهم الأنشطة الاقتصادية في المنطقة والمُعاظِمة للأرباح على المدى القصير.

ثانيا: لقد أصبح العمران أو الثورة الاسمنتية محركة للرمال والحجر ومطيحة لكل شجر. وهي تنمية وإن جاءت بما يسمى بالعمران إلا أنها لا يمكن أن تجلب التنمية. وهي وإن غيرت من أحوالنا وأنماط معيشتنا إلا أنها ليست بالضرورة قادرة على أن تأتي بالتكيف والتآلف بين الإنسان وبيئته بل إن إفرازاتها اللاتكيفية واضحة للعيان على الجيل السابق والمعاصر.

ثالثا: إن العمران الجديد الذي نتحدث عنه لم يعد محصورا في المباني والطرقات وغيرها وإنما أصبح توظيفه لا يكتمل إلا بوسائط الاتصال الحديثة وبتقنيات ثورتها المعلوماتية. هذه الوسائط التي لم يعد بالإمكان العيش المريح أو غير المريح أن يتم بدونها.

رابعا: لم يعد بالإمكان في الحالة البحرينية على الأقل الحديث عن القرية بمعطاها الاقتصادي القائم على مبدأ الكفاية الاقتصادية، وحديثنا عن القرية بات يأخذ بعدا اجتماعيا وثقافيا أكثر منه بعد اقتصادي.أي أن القرية التي نتحدث عنها إن هي إلا قائمة في بعدها الاجتماعي والثقافي التجريدي، حيث إنها باتت تمثل فضاء اجتماعيا منخرطا في اقتصاد السوق وتابعا إليه، وإن احتفظ فضاؤها الاجتماعي بقدر من محافظته أو لنقل بقدر من تماسكه.

خامسا: إن اندماج القرية أو البادية فيما يسمى بالاقتصاد المديني، الذي هو يمثل اقتصاد السوق، قد أحدث تحولات مجتمعية عميقة في هيكل القرية وشبكة علاقاتها الاجتماعية فهي في هذا لم تعد تمثل وحدة اجتماعية أو قرابية متجانسة بفعل من وفد واستقر فيها أو استقر على أطرافها من سكان المدن ومن الأجانب، أو بفعل من غادرها أو هجرها من أهلها لسبب أو لآخر.

وهي لهذا السبب لم تعد ولن تعد تمثل وحدة قرابية واحدة وإن مثلت في بعض من شبكة علاقاتها المحلية حالة من حالات المجتمع المحلي من حيث قوة علاقات أفرادها الاجتماعية وقربها ولربما تكاتفها.

وباعتقادي فإن التغيرات التي جاءت على القرية والبادية وحتى أطراف المدن قد أخذت مسارين اثنين عبر كل منهما عن حالته المغايرة للآخر، أي التكيف مقابل الممانعة:

فالتغيرات التي يمكن تسميتها بالتكيفية، ونقصد بها الاندماج في السوق والخضوع لمنطقها السياسي والاجتماعي ولربما الثقافي، يمكن التعبير عنها في تلك التحولات التي جاءت على الفرد وسهلت من إمكانية تمتعه بمنتجات الحداثة المختلفة: من منتجات استهلاكية وأخرى معلوماتية وبالاندماج في النشاط الاقتصادي الجديد والذي أخذ عند البعد بعدا اجتماعيا وآخر سياسيا وآخر ثقافيا.

وحتى تتمثل هذه التحولات على الواقع فإنها قد احتاجت لفسحة زمنية ولربما أخرى مكانية. وهي تحولات يمكن الحديث فيها عن مجموعة من المؤشرات الكيفية والكمية الكثيرة مثل تعلم المرأة وعملها وتغير وضعها النسبي، الانخفاض التدريجي في حجم الأسرة والإنجاب، والعمران الجديد في القرية أو على أطرافها.

* أما التغيرات غير التكيفية فإن التعبير عنها قد اخذ أبعادا مختلفة: دينية واجتماعية وبعضها الآخر سياسي. فتلكؤ عمليات التنمية أو عدم شمولها للأطراف والتي قد جاءت بمشكلات الفقر والبطالة وفشل عمليات تحقيق الاندماج الاقتصادي والسياسي أو انتفائها يولد بشكل عام حالات من الممانعة الاجتماعية التي قد تأخذ أشكالا اجتماعية وأخرى سياسية وأخرى تقترب من العنف بأشكاله ومسمياته المختلفة.

فارتفاع معدلات الطلاق أو العنف الأسري والتسرب الدراسي أو الفشل التعليمي وتخريب المنشآت العامة من أعمدة كهرباء أو إشارات المرور أو إتلاف محتويات الفصول الدراسية أو حتى حرق إطارات السيارات والذي قد يتطور عند البعض بالاصطدام برجال الأمن، أما الشكل الآخر فيأتي إما على شكل نزوع أكبر للمحافظة الاجتماعية في المسلك والملبس والعلاقة مع الآخر وفي النظرة للمرأة ودورها ومكانتها في المجتمع أو في التوجه للدين كحافظ للهوية.

فالدين قد نظر إليه دائما كحافظ للعباد والمجتمع من الشرور القادمة من الخارج وهي «شرور» كثر الحديث من خلال المؤسسات الدينية عن ضرورة «مواجهتها» ونتيجة لذلك فقد برز الدين كأحد أهم آليات وقوى المواجه مع الآخر.

من هنا فنحن كعلماء للاجتماع لا ننظر لموجة التدين إلا من زاوية المحافظة على الهوية «المهددة» بالزوال. والتدين الذي نتحدث عنه يختلف هنا عن تسييس الدين الذي هو موضوع آخر لسنا في مجال مناقشته.

وهذه كلها تمثل تعبيرات لعدم التكيفية الاجتماعية أو مما يسميه البعض بالممانعة الاجتماعية والتي يعبر عنها أحيانا بالانعزالية أو باللا اجتماعية أو بالتمرد على المجتمع بأنظمته ومؤسساته، وهي حالات من اللا توافق الاجتماعي لا يمكن الدخول في معالجتها إلا عن طريق مدخل السياسات الاجتماعية التكاملية والتي تحتاج لقدر اكبر من الفسحة الزمنية التي باتت مفتقدة في زمن أصبحت سرعة وتيرة التحولات التقنية التي حولنا.

وباتت نتيجة لذلك حلولنا لمعالجة المشكل نصف «مستوية» أو لا «مطبوخة» وهي لذلك، أي المعالجات، قد أصبحت مبعث لمشكلات أخرى تبعدنا مسافات عن الحل أو تمنعنا من الوصول إليه.

كاتب بحريني