نكمل اليوم حديثاً بدأناه أمس عن مقال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم «طموحاتنا للشرق الأوسط» الذي نشر في صحيفة «وول ستريت جورنال» بمناسبة زيارة الرئيس الأميركي لدولة الإمارات. وكنا قد ختمنا المقال السابق بقولنا: إذا كانت دبي قد استطاعت خلق نموذج غيّر صورة العرب عند الغربيين، فليدركوا أنها تسعى لتصدير هذا النموذج إلى دول المنطقة لتحدث التغيير المطلوب بعيداً عن الخطابات السياسية التي سئمتها الشعوب.

سموه ينطلق في خطة التغيير التي يتحدث عنها من الشباب الذين هم عماد أي مجتمع ومصدر قوة حاضره ومستقبله، وهؤلاء الشباب اعتبرهم مصادر غير عادية لبناء الأمة، لاسيما وان منطقة الشرق الأوسط تضم ملايين الشباب، لكن هذه الملايين لم تهيأ لها كل الظروف الداعمة والتي من شأنها إحداث التغيير والتطوير.

وأن عدداً كبيراً منهم يعيش بين براثن الإحباط واليأس بسبب عجزه عن إكمال تعليمه، وبقائه عاطلا عن العمل، وتراجع الاستقرار النفسي والأسري والاجتماعي بسبب هذه الظروف التي كانت وما زالت سبباً في فراغ عدد كبير منهم، وسقوطهم ضحايا آفات العصر والتي يأتي الإرهاب على رأسها.

لذا فقد ارتأى سموه تصدير تجربة دبي التي اعتمدت على شحذ همم الشباب والاستفادة من طاقاتهم من خلال فرص التعليم والعمل، تصديرها إلى دول المنطقة ليصبح على حد قول سموه لدى المنطقة العربية أقل عدد من الشباب الغاضب والمحبط الذي لا يملك حولا ولا قوة وسط صراعات سياسية واقتصادية بين الكبار أهدرت حقوق الشباب وغفلت عنها.

إن سموه عندما ركز في الثلث الأخير في مقال الطموحات للشرق الأوسط على الشباب أكد أهمية الاستثمار في الشباب، ولفت إلى ضرورة احتضان طموحاتهم وأفكارهم لان ذلك هو الوسيلة المثلى للحفاظ عليهم، وهي حقيقة غابت عن كثير من دول المنطقة، ولو لم يكن الأمر كذلك لوجدنا عددا اقل من الشباب العاطلين والمحبطين، ولقلت الاتهامات الموجهة إليهم فيما يتعلق بالتطرف.

ولأصبحت أحوال المنطقة أفضل بكثير مما هي عليه الآن، لأن سواعد الشباب وطاقاتهم وأفكارهم الإبداعية كفيلة بإحداث تغيير أكبر من الذي نرى عليه بعض دول المنطقة التي تدعم بشكل مباشر وغير مباشر تهميش هذه الطاقة البناءة لكيلا تجد معارضاً يقف أمام سياساتها التسلطية، وأمام فسادها، وهو السبب الرئيسي فيما نسمع عنه الآن من تطرف وإرهاب ومسميات وتردي أوضاع دولية، لم نعرفها في تاريخ امتنا العربي الإسلامي الذي صنعت فيه القيادات الشابة إنجازات مازال العالم يستشهد بها على المستويين السياسي والاقتصادي.

ما الذي تريده دبي؟ هذا هو السؤال الذي يطرح على سموه دائما. وكانت إجابته في المقال: «مواصلة الرحلة التي بدأها الأجداد. وكلي قناعة بأن البشر يمتلكون داخلهم قدرة هائلة على التغيير».

نعم إن عبارة سموه أكدت أهمية مواصلة قادة المنطقة الرحلة التي بدأها الأجداد في المنطقة بدءا بالعصر الإسلامي مرورا بالأموي والعباسي وانتهاء بالأندلسي والعثماني، والاستفادة من الموروث الذي تركوه في قالب عصري حضاري. فالأمة لا ينبغي عليها تجاهل وتهميش تاريخ كان قد صنع للمنطقة أمجاداً، قامت عليها إنجازات دول أخرى خارج المنطقة استغلت غفلة أبناء المنطقة بسبب طاقات وظفتها بإيجابية كنا الأحرى بتوظيفها.

مقال سموه في الطموح وتحقيق الضرورات والتغيير كان واضحاً، وقد تلخص في الاعتماد على رحلة الأجداد وتاريخ الأمة، الطاقات الشبابية، القوة الاقتصادية، التعلم من الأخطاء، التواصل داخلياً وخارجياً وتحقيق رخاء الإنسان. نأمل أن تكون طموحات سموه «الضرورات»، ضرورة عند باقي قادة المنطقة لكي يحدث التغيير المطلوب بأيدينا لا بأيدي غيرنا.

maysaghadeer@yahoo.com