بين الخير والشر، وبين العقل والجنون، وبين الحكمة والحماقة، وبين العدل والظلم، وبين الحق والباطل مسافة واسعة بما لا يدع مجالاً لسوء الفهم أو الالتباس.. والفارق بين السلام والحرب، وبين الحرب المشروعة والحرب العدوانية، وبين السلام والاستسلام، وبين الحرية والاحتلال، وبين المقاومة والإرهاب كبير لا يغيب عن عقل مدرك، ولا عن قلب مبصر، ولا عن ضمير يقظ ولا عن أي إنسان سوي.

العقلاء وحدهم هم دعاة إقرار الحق وتحقيق العدالة بين الدول استناداً إلى القيم السماوية والشرعية الدولية والمبادئ الحقوقية الإنسانية، ليحل السلام الحقيقي بين البشر، سلام الحق والعدل والحرية، لا سلام شروط الإذعان العنصرية بالقوة، ولا سلام فرض الأمر الواقع الظالم، ولا سلام منطق الغزو والسيطرة، فلا سلام مع العدوان ولا سلام مع الظلم ولا سلام مع الاحتلال.

والمجانين وحدهم هم الغزاة المحتلون لأراضي وأوطان الشعوب لكسر إرادتها الوطنية ونهب ثرواتها الاقتصادية، وهم دعاة الحروب العدوانية الإقليمية والأهلية، والمحرضون على الكراهية والعداء بين الأشقاء على الأشقاء والجيران على الجيران، والملوحون بالحروب العالمية لحماية الظلم من العدالة الدولية، ولحماية العدوان من رد العدوان بكل الوسائل المشروعة، ولحماية الاحتلال من رد المقاومة الشعبية لاستعادة الحقوق وتحرير الأوطان.

ولكني أتصور أن الكثيرين لم يستطيعوا أن يفهموا بالضبط ما كان يعنيه الرئيس الأميركي جورج بوش بمفردات كثيرة مثل الأمن والسلام والعدالة والحرية التي قال إنه يشارك الشعوب العربية والإسلامية أحلامهم فيها، كما لم يقدم جديداً عدا المجاملة السياسية الإنشائية إلا التهديدات وتلبيد الأجواء، ولم يقنع مستمعيه، بلا ترجمة عملية على أرض الواقع بمحاولة شرحه لا مصطلحات كبيرة كالديمقراطية والحضارة والتعايش بين الأديان وحقوق الإنسان.

لم تنجح «محاضراته» في تقريب المسافة بين أقواله وأفعاله بل اتسعت تلك المسافة بقدر اتساع الجمل البليغة لحمل المعاني المتناقضة، أثار «المحاضر» العديد من علامات الاستفهام والتعجب، بينما لم تجب محاضراته الإنشائية على أي من الأسئلة، التي تطرحها عليه الشعوب العربية والإسلامية ليس كمحاضر ولكن بحكم موقعه كرئيس للولايات المتحدة الأميركية.

ربما كنت واحدا من الشعب العربي المسلم الذي جاء الرئيس الأميركي من على بعد آلاف الأميال ليحاضرهم في المفاهيم والقيم الحقوقية والإنسانية بينما يلقي عليهم الدروس التطبيعية مع أعدائهم الذين يحتلون أرضه ويقتلون آلافاً من شعبه ويشردون الملايين من أوطان أمته، فيما يدق أسافين الشقاق الخداعية ويشن حملات الكراهية التحريضية على أشقائهم وجيرانهم لشق صفوف أمتهم العربية والإسلامية.

لم أستطع أن أفهم كعربي إلى أي مدى كان فهم بوش لمعنى «الكرامة والعدالة والحرية» لدى الشعوب العربية والإسلامية، و ما إذا كان حقا يعني ما يقول حول قيمة «الوطن العربي» كمهد لأعرق الحضارات الإنسانية، ومنبع لأعظم الرسالات السماوية، ولا من أي موقع يطل علينا.. هل من على سطح الأرض أم من على سطح القمر؟!

أي معنى للأمن يشارك الرئيس الأميركي الشعب العربي والإسلامي الحلم به؟

.. فيما يستعرض بصواريخه النووية وبأساطيله البحرية وقواعده العسكرية في البحار والخلجان الدولية إمكانياته على شن الحروب العالمية من أجل حماية أمن الاحتلال العدواني الإسرائيلي المخالف للشرعية الدولية وللقيم السماوية وللحقوق الإنسانية لأراضي ثلاث دول عربية في الأراضي الفلسطينية وفي الجولان السورية وفي شبعا اللبنانية لحساب أمن «الدولة اليهودية» على حساب أمن الشعوب العربية والإسلامية؟!!!

mamdoh77t@hotmail.com