الاستقرار، الاعتدال السياسي، والتنمية بأذرعتها المختلفة، هي العناوين الجاذبة لعلاقات دولية تأخذ بمعايير المصالح المتبادلة، ولعل الرئيس ساركوزي الذي كان واضحاً في تصريحاته، وخطابه أمام مجلس الشورى، وحواره مع رجال الأعمال السعوديين والفرنسيين، حاول أن يؤسس أرضية جديدة للقاءات لا تغلب فيها المماحكات السياسية الطورَ العالمي للاستثمار، ومن هنا يأتي التركيز على المملكة التي أكد الملك عبدالله أنها لا تبني الحواجز وتخلق العقبات أمام شراكة مع كل الدول..

فرنسا دولة مهمة في أوروبا والعالم ونحن عشنا تقاليد صداقة مهمة، وباستثناء مرحلة تحرير الجزائر التي قادت "جي موليه" إلى المشاركة في الاعتداء الثلاثي على مصر، فإن فرنسا ما بعد زوال مستعمراتها بالمنطقة، كانت الأكثر إيجابية، حتى عندما انتصرت إسرائيل بالسلاح الفرنسي في حرب عام 1967م كان للرئيس ديغول وقفة إيجابية غيرت مفاهيم البعد السياسي الفوقي إلى الشريك المتساوي بالقوة والأهمية..

مع فرنسا القديمة نسبياً، والحديثة نعلم أن لنا قيماً مشتركة، وأن لنا علاقات تقوم على مصالح متنوعة، ومتينة، وبعيدة عن الفوضى الخلاقة والمدمرة، وبالتالي فإننا نبني عملاً واحداً قد يقود إلى تفاعلات تشترك فيها قوى المنطقة كلها..

وإذا كان الرئيس الفرنسي ساركوزي يودع الرياض ليأتي الضيف الأكبر الرئيس بوش، فإن الصور والمواقف لا تتغير لأننا نعرف أن الدولة العظمى، لا يحكم سيرها اتجاه واحد حتى لو ظلت تقود المغامرات السياسية التي تعطي مبررات شن الحروب، ومع ذلك فهناك العصر الأمريكي المضيء في قيادة عوالم التقنية، والإدارة والكشوفات الضخمة، واحتواء أكبر العقول العالمية المبتكرة والمبدعة، وهذا الانفراد في مصادر القوة، واحتكارها الجوائز العالمية في العلوم والمكتشفات أعطياها البعد الأخلاقي المغاير للسياسة وتفرعاتها المكلفة جسدياً ومادياً لمعظم الدول التي دخلت في خصومات معها..

نحن لا نستطيع الحكم على الرئيس بوش من خلال ثقافة الحرب التي قادها، وإنما على ما يؤكده الواقع الجديد إذا كان بالفعل يريد ختام فترة حكمه بسلام عربي - إسرائيلي لا تختلط فيه مفاهيم التوراة لإنقاذ العالم، مع مبادئ حق الشعوب في العيش وتكافؤ المصالح والأمن، وأيضاً إذا كانت بلده، التي تملك الإمكانات المطلقة تريد استبدال قناع الهيمنة بالتفاعل في ميادين الاستثمار وفتح الحدود ورسم استراتيجيات المنافع بين دول المنطقة وبينها، ثم، وهو الأهم، أن نحقق معادلة الأمن ليس فقط بخلق عداء مع إيران لصالحها، أو شن حروب مع إسرائيل، وإنما باعتبارنا شركاء جغرافيا فإنه من المصلحة أن نحقق المعادلة الأخرى، أي برفع أعلام الوفاق على مبدأ أن الحروب لا تؤسس التعايش حتى لو ظلت مئات السنين، وأن عصر التكتلات العسكرية، وتمرير الأهداف التي تعاكس مصالح الشعوب باسم الحرية، كانا غايات لوسائل غير صحيحة أو مقبولة، والرئيس بوش ربما بزيارته للمنطقة شاهد الناس على الواقع، وأنهم ليسوا أشراراً أو منافقين، أو إرهابيين يحاربون الحضارة والتقدم، بل نحن من يسعى إلى غلق الهوية مع الدول المتقدمة بإضاءة كل الطرق مع الآخر، وأمريكا أهم وأكبر شريك قادر على استبدال الأخطاء بتصحيحها وتوجيهها نحو العمل الخلاَّق والأخلاقي..

يوسف الكويليت