قرأنا مقالاً لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، نُشر في صحيفة «وول ستريت جورنال» بمناسبة زيارة الرئيس الأميركي، جورج بوش، للدولة.

حمل عنوان المقال، وهو «طموحاتنا للشرق الأوسط»، رسالة واضحة عن «الطموح» بصفته «ضرورة»، فما هو ضرورة يصبح تحقيقه واجباً، لذا فقد قصد سموه الحديث عن الضرورات بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط التي جاء الرئيس الأميركي ليوجه خطابه إليها.

المنطقة مليئة بالقضايا الشائكة والتحديات الكبيرة التي لا تخفى على أي من أبنائها، وبالتالي فهي ليست بحاجة لمن يطيل الحديث عنها أو يحللها، بقدر الحاجة إلى الكشف عن حلول ناجعة لها. تحدث سموه عن دبي كنموذج، لأنه يعرفها أكثر عن غيرها.

طموح دبي تحوّل إلى ضرورة عندما أدركت مبكرا أن 3% من دخلها الذي يأتي من صادرات احتياطي النفط غير كافية، فالإحساس بهذه الضرورة والتحرك في ضوئها دحض أقوال من كانوا يدّعون أن دول الخليج بمجرد انتهاء النفط فيها ستتحول إلى «مدن ملح»، فدبي استطاعت الاعتماد على موارد أخرى، وأوجدت تجربة ناجحة تجعلها بإذن الله في مأمن، وهي ضرورة أراد سموه أن يذكّر بها دول المنطقة.

فالنجاح ليس بقدر ما نملكه من ثروات نفطية، ولكن بقدر توظيفنا لهذه الثروات وتعظيم الاستفادة من قطاعات غيرها قبل فوات الأوان خاصة للأجيال القادمة.

اعتبر سموه دبي «مؤسسة»، وهو أكثر مصطلح مجازي وواقعي في الوقت نفسه قد يتفق المثقفون والاقتصاديون ومختلف النخب على تسمية الدولة به لأنهم يتجاوزون بذلك مسألة التعبير عن الدولة بالأرض والبيئة والوطن والأهل وما إلى ذلك.

دول العالم اليوم تعرف بدول المؤسسات ولكن مؤسسة دبي لها خصوصيتها «رأسمالية خاصة»، تديرها الحكومة بالتعاون مع القطاع الخاص انطلاقا من نقطة تلتقي فيها السياسة بالاقتصاد، من اجل بناء مجتمع ينعم بالرخاء. وقد يكون ذلك من أسباب نجاح قيادة دبي التي لم تجعل السياسة بمنأى عن الاقتصاد، ولو فعلت ذلك لآل حالها إلى ما آلت إليه دول أخرى في المنطقة عزلت سياساتها عن اقتصادها فأودت بشعوبها.

صفقة موانئ دبي أثارت جدلا كبيرا واستغرب الجميع موقف الولايات المتحدة الأميركية حين رفضتها باعتبار أنها تهدد أمنها القومي، وتأكد لدينا أن الشعوب الغربية لم تعرف شعوبنا حق المعرفة، لذلك لم يعبر سموه عن أسفه على عدم انجاز الصفقة بل اعتبرها «خطأ نتعلم منه»، وهي حكمة قدمها سموه لضيفه الزائر بشفافية ربما لم يعهدها من حاكم عربي يعترف بالخطأ ويؤكد تعلمه منه. منطقة الشرق الأوسط «صعبة»، تضعك أمام خيارين، الانخراط في مشكلاتها وتجاهل الطموحات، أو الاتصال بها والنجاة بالطموحات، ودبي اختارت الثاني.

مقال سموه لم يكن مقالاً عادياً كتلك الخطابات الرسمية، بل جسد صراحة، رؤية واضحة، طموحات وضرورات، نموذجاً لفكر ومدينة عربية ربما يجهلها كثير من الغربيين، تتطلع لتغيير مستقبل المنطقة بدل الاعتماد على سياسات خارجية أخفقت في التخطيط لهذا المستقبل.

سموه قال بثقة لم تنحن أمام عظمة أكبر قوة في العالم: «عندما يزور الرئيس بوش دبي فإنه سيجد مدينة ضخمة... في قلب الصحراء العربية». فإن كانت زيارة الرئيس بوش للدولة تاريخية، فلا شك في أن ما رآه وما سمعه، تاريخيا بالنسبة للغرب الذي صوّر له أن الصحارى الشاسعة قد أعاقت طموحاتنا، وتحديات المنطقة قد حدت من انجازاتنا. هل كان الغربيون يعرفون الكثير عنا قبل أن يصلوا إلينا؟

نأمل أن تكون الرؤية الآن واضحة أمامهم وأمام غيرهم أكثر من أي وقت مضى، فإذا كانت دبي قد استطاعت خلق نموذج غير صورة العرب عند الغربيين، فليدركوا أنها تسعى لتصدير هذا النموذج إلى دول المنطقة لتحدث التغيير المطلوب بعيدا عن الخطابات السياسية التي سئمتها الشعوب. أما كيف ومتى فهذا ما سنناقشه في مقال الغد بمشيئة الله.

maysaghadeer@yahoo.com