حدثان بارزان ميّزا الساحة الأوروبية مطلع العام الجديد وأضافا مزيداً من البهرجة إلى الاحتفالات الكثيرة التي عمّت شوارعها. انضمام قبرص ومالطا إلى المجال النقدي الأوروبي الموحد، واستلام سلوفينيا لرئاسة الاتحاد الأوروبي.

ولا شك بأن للحدثين معنى عميقاً في رمزيته، باعتبار أنهما يعزّزان من فرضية التقدم الذي تحرزه عملية التكامل الآخذة بالتطور شيئاً فشيئاً، ويرفعان من رصيد التطلعات بإمكانية تحقيق مستقبل مشرق للقارة الأوروبية بعد كل ما عانته من حروب ومآس.

ومن الحدثين المذكورين، فإن استلام سلوفينيا لدفة القيادة في الاتحاد الأوروبي قد يبدو بالنسبة لمنطقتنا العربية والشرق أوسطية التطور الأبرز الذي يجب إيلاءه أهمية خاصة، نظراً لما سيكون له من تبعات مباشرة على قضايانا المصيرية وعلى كيفية تعاطي الاتحاد الأوروبي معها خلال الستة أشهر المقبلة.

فهذه الدولة الفتية التي تمكنت من تحويل معاناتها ضمن سياق المأساة اليوغسلافية إلى تجربة مشرقة تتطلع إليها الدول المجاورة، تقف حالياً أمام امتحان جديد وحساس تجد نفسها فيه مضطرة لإثبات نضجها على أكثر من صعيد. كل هذا يتم في وقت لم تتمكن فيه بعد من إغلاق كافة ملفاتها الساخنة التي لا تزال قائمة مع بعض الدول المجاورة مثل كرواتيا، وهي في الغالب ملفات حساسة قد يؤدي تفجيرها بشكل غير مسؤول لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

لكن يبدو ان سلوفينيا قد قبلت التحدي المطروح أمامها، والذي يعتبر، مثلما اعترف بذلك وزير خارجيتها ديميتري روبل أثناء تسلّمه دفة القيادة من نظيره البرتغالي لويس أمادا، أكبر تحد على الإطلاق تواجهه البلاد منذ نيل استقلالها في العام 1991. ما هي إذن الملفات التي ستكتسب أولوية خاصة خلال الرئاسة السلوفينية للاتحاد الأوروبي، وهل سيكون للمنطقة العربية أي أثر فيها؟

الأهداف المعلنة التي عبّرت عنها القيادة السلوفينية تتجسّد على وجه الخصوص بالتركيز على سلسلة من الملفات الساخنة والآنية المرتبطة بالوضعين الإقليمي والأوروبي، أبرزها مستجدات الوضع في منطقة البلقان لا سيما مستقبل إقليم كوسوفو وما قد ينجم عنه من مفاجآت حارة في ظل إصرار الألبان على إعلان استقلالهم عن صربيا.

وقد يبدو الملف عادياً في قراءته الأولى، لكن التعمّق في حيثيّاته يظهر دلالات في غاية الخطورة خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار الموقف الصربي الأخير الممعن في تشدّده حيال هذا الأمر. وإذا صدقت صحة ما ورد في طيّات الموقف الصربي التهديدي في ما يخص وقف المحادثات المتعلقة بانضمام بلغراد إلى الاتحاد الأوروبي، فإن صربيا ستكون بذلك أول دولة توقف محادثات العضوية من جانب واحد.

وبالرغم من أن هذه الخطوة لن تشكّل أية خطورة أو تأثير سلبي على مشروع التكامل الذي يسير قدماً، إلا أنها ستوسمه بلا شك بسمة سلبية بارزة. الملف الساخن الثاني الذي ستضطر الرئاسة السلوفينية للتعامل معه هو إنجاز مشروع المصادقة على اتفاقية لشبونة التي أريد منها أن تحل مكان وثيقة الدستور الأوروبي الموحد، والتي تم التوقيع عليها خلال شهر ديسمبر الماضي من قبل قادة الدول الأعضاء.

وقد يبدو دور سلوفينيا في هذا الإطار تنسيقياً أكثر من كونه مؤثراً بأي شكل من الأشكال، باعتبار أنها لا تملك مجالاً كبيراً للمناورة في تسريع المشروع أو طرح أية قضايا خلافية ذات صلة بالموضوع، وذلك انطلاقاً من حقيقة العامل الزمني الذي يجب أن ترضخ له قبل أن يحين وقت تسليم دفة القيادة إلى دولة أخرى هي فرنسا.

ما يمكن لسلوفينيا أن تقوم به في هذا الإطار هو مجرد المصادقة الذاتية على الاتفاقية، لتكون بذلك قدوة للدول الأخرى التي ستدعو لاحقاً برلماناتها (أو شعوبها في بعض الحالات) للقيام بذلك. انطلاقاً من هذه الحقائق، يبدو ان القيادة السلوفينية ستركز في صميم عملها المقبل على الأرجح، على منطقة البلقان التي كانت ذات يوم جزءاً أساسياً منها.

وفي هذا السياق، وبرغم وجود قوى قومية متطرفة لا تزال تشير بأصبع الاتهام لسلوفينيا بأنها أججت حرب تفكيك يوغسلافيا السابقة، فإن سلوفينيا قد تتمكن من لعب دور الجسر الرابط بين أوروبا الموحدة من جهة ومنطقة البلقان التواقة للالتحاق بها من جهة أخرى، أخذاً بعين الاعتبار سلسلة من العوامل وأهمها:

ـ العامل الجغرافي الذي يربطها فعلياً بالمنطقتين اللتين نتحدث عنهما.

ـ العامل التاريخي الذي لا يزال يربطها بملفات كثيرة مع بعض دول المنطقة.

ـ عامل اللغة والعادات والتقاليد التي تعتبر شبه متطابقة مع دول البلقان الأخرى.

أما في ما يتعلق بالملفات الساخنة في الشرق الأوسط، فإن الواضح من خلال التحركات الدبلوماسية الكثيرة والمواقف الصادرة عن القيادة في ليوبليانا، ان ملف الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي سيكون الأبرز في سياق التحركات المفترض القيام بها خلال الستة أشهر المقبلة، استكمالاً لما تم التوافق حوله في مؤتمر أنابوليس ولاحقاً في مؤتمر الدول المانحة بباريس، والذي أعلنت سلوفينيا من خلاله عن تقديم دعم أولي بقيمة مئتي ألف يورو للسلطة الفلسطينية.

هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الملفات الساخنة الأخرى مثل العراق وأفغانستان وغيرها لن تكون حاضرة، لكن الزخم الأكبر سيمنح على ما يبدو إلى الملف المرتبط بتسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، نظراً للمعطيات الدولية الكثيرة المتوفرة حالياً والتي باتت تضغط باتجاه إيجاد اقتراحات فعالة لإخراج هذا الجمود القائم والخطير من عنق الزجاجة.

في هذا السياق برز تحرك قام به مؤخراً وزير خارجية سلوفينيا باجتماعه مع الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط مارك أوتي، حيث تم تنسيق التحرك الذي من المفترض القيام به خلال المرحلة المقبلة في ظل القرارات الأخيرة الصادرة عن مؤتمر أنابوليس. وبرغم وجود حالة من الضبابية والتشاؤم التي تلف مستقبل تلك القرارات باعتبارها قد تنتهي كغيرها من القرارات في مهب الريح أو كمجرد حبر على ورق.

إلا أن الرغبة بتعزيز التنسيق بين الممثل الخاص والرئاسة الجديدة للاتحاد الأوروبي يعتبر مؤشراً إيجابياً قد يدل على الأقل لاحتمال التركيز على متابعة الملفات المرتبطة بالشأن الحياتي العادي للشعب الفلسطيني. وفي حال صدقت هذه التوقعات، فان ذلك سيعتبر بلا شك إنجازاً منطقياً ومقبولاً في ظل المآسي المعيشية التي يعاني منها هذا الشعب المظلوم في كل لحظة.

كاتب لبناني