بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 نشأت كتلتان رئيسيتان، شيوعية اشتراكية بزعامة موسكو ورأسمالية فردية بزعامة واشنطن. لعقود من الزمان تنافس القطبان السوفييتي والأميركي للاستحواذ على مجمل قضايا وشعوب العالم. كلا القطبين أراد فرض نفسه سياسياً وعقائدياً بالقوة. ذلك ما خلق مجموعة من الكوارث السياسية المزمنة لدى الدول والشعوب والأمم الضحايا.
لكن النظريتين الشيوعية الاشتراكية، والفردية الرأسمالية لا تصلحان كي تسودا في كافة دول العالم المختلفة، هذا فضلاً عن فشلهما في دول المنشأ نفسها. لكل أمة ودولة وشعب وحتى كيان ظروف خاصة تجب مراعاتها في تطبيق أي نظام اقتصادي أو اجتماعي. مثلاَ ما ينطبق على الهند لا يمكن أن يكون الأمر ذاته الذي ينطبق على روسيا أو أميركا أو الأرجنتين ...، بسبب التمايز الكبير في الظروف والوقائع والمعطيات لكل منها.
إلا أن النزعة الاستعمارية التوسعية عند الأنظمة السياسية القوية الحاكمة لا تراعي الفوارق والاختلافات، السلبية والإيجابية والحادة واللطيفة منها. ذلك من الأسباب الرئيسية في أن الاستعمار عادة ما يحمل بذور رفضه واندحاره وفنائه بين جوانبه في محاولة توسعه وانتشاره.
في بداية العقد الأخير من القرن الماضي انهار الاتحاد السوفييتي، مثل حبات السبحة انفرطت من عقده السياسي والاجتماعي والعقائدي جل الدول التي كانت منضوية تحت راية حلف وارسو. نشأت ظاهرة هرولة الدول الاشتراكية باتجاه العالم الرأسمالي.
ذلك التحول غير المدروس جيداً وبغير بتأن حوّل معظم الدول الاشتراكية إلى حالة بائسة من الفوضى والفقر والعوز المادي وجعلها في أمس الحاجة إلى دعم غربي. لجأت الدول الاشتراكية سابقاً، ومنها روسيا نفسها، طوعاً أو كرهاً إلى أحضان الدول الرأسمالية في سباق محموم مع الزمن لجني ثمار التحول نحو الرأسمالية ونظام السوق الحر.
ذلك ما أوقع تلك الدول في براثن الإمبريالية العالمية القديمة الحديثة بزعامة واشنطن. مَن لم يهرول من الأنظمة سلماً إلى الانضواء تحت راية واشنطن أُدخلت بلاده في أتون حروب أهلية مدمِّرة مشينة؛ ذلك ما حدث مع جمهورية يوغسلافيا الاتحادية السابقة مثلاً.
بقيادة واشنطن توسع حلف الأطلسي بسرعة باتجاه الشرق وأصبحت قواته تعسكر قريباً نسبياً من تخوم روسيا. باتت العاصمة الروسية موسكو في مرمى سهل لصواريخ حلف الناتو قصيرة المدى. في الماضي القريب كان يُحظر على تلك الصواريخ والأسلحة الإستراتيجية الغربية من التواجد حتى على أراضي الدول الأوروبية الأطلسية.
بفعل الضغط الاقتصادي والتخلف المعيشي عن مستوى دول السوق الحر لديها لجأت جل دول المعسكر الشرقي السابق إلى طلب الدعم الأميركي المشروط. اضطرت بعض تلك الكيانات إلى قبول تواجد عسكري في قواعد تحيط بما تبقّى من الكتلة الشرقية، روسيا ومعها ثلة من الجمهوريات الأخرى. حديثاً بدأت حلقات الدرع الصاروخي الأميركي تضيق الخناق على الكيان الروسي الذي تُعتبر القوة الصاروخية لديه العمود الفقري في إستراتيجية الردع ضد الغرب.
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 انتقلت واشنطن إلى طور الهجوم العسكري الشرس لغزو العالم بدءاً بالنقاط الضعيفة!. اختيرت دول من العالم الثالث لتشكل بداية التوسع والانتشار الأميركيين، دول مثل أفغانستان والعراق .... وُضع شعار محاربة «الإرهاب الإسلامي» كمبرر مقبول غربياً بشكل عام لتبرير هذه الإستراتيجية الأميركية القائمة على الاستفزاز والتضليل الإعلامي المكشوفين.
في ذلك وجدت الإدارة الأميركية في تنظيم «القاعدة» وفي زعيمه أسامة بن لادن بوصلة وورقة سهلة الاستعمال قليلة المجهود والتكاليف. بعد احتلال أفغانستان بأقل من سنتين تم اختيار العراق المنهك اقتصادياً وعسكرياً وصاحب الجبهة الداخلية الهشة لنفس المبرر «الإرهابي القاعدي».
في القرن الإفريقي حيث بؤرة توسع وانتشار أخرى اختير السودان ليكون بوابة الاندفاع الأميركي نحو المنطقة. بالإضافة إلى ضعفه العسكري يمثل السودان منطقة شديدة الإغراء للأطماع الخارجية لما يتمتع به من مزايا جيو ـ إستراتيجية وديموغرافية واقتصادية، كلها فريدة من نوعها. يتحكّم السودان بالجزء الأكبر من مجرى نهر النيل الذي يروي أراضي وسكان منطقة قلب العالم العربي عالية الكثافة السكانية نسبياً، مصر والسودان.
اكتسب الاهتمام الأميركي الخاص بالشأن السوداني زخماً إضافياً بعد اكتشاف البترول في السودان بكميات إستراتيجية، ودخول المارد الصيني الناهض من قمقمه على الخط. في التعامل مع الملف السوداني هنالك وضع مشابه لما حدث في يوغسلافيا ويحدث الآن في أفغانستان والعراق.
تم تقسيم السودان إلى مجموعة من الاثنيات المتنافسة، بل المتناحرة على السلطة والثروة، في الجنوب والشمال والشرق والغرب والوسط؛ وأُضرمت نيران التطرف والانفصال عن المركز في رؤوس ونفوس قياداتها.
تؤسس الطموحات الأميركية حالياً للتدخل في منطقة المغرب العربي. المبرر هو محاربة الإرهاب الذي تمارسه الجماعات الإسلامية المتشددة خاصة بعد أن أنشأ تنظيم القاعدة فرعاً جديداً له في المغرب العربي. ذلك أسوة بتنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان وما بين النهرين وبلاد الشام والجزيرة العربية وآسيا الصغرى وأوروبا الغربية.
في الحرب على التنظيمات المتشددة التي «تتلاطف أو تتناغم» مع القاعدة باتت على الدول المعنية الاستعانة بخبرات وتقنيات وعقلية الإدارة الأميركية. حتى يتم ذلك على المدى القريب والبعيد لا بد من إحاطة المنطقة وزراعتها بسلسلة من القواعد العسكرية الأميركية التي تؤسس للسيطرة الأميركية على المنطقة.
في قضية الشرق الأوسط أبرمت الإدارة الأميركية الحالية برئاسة جورج بوش اتفاق أنابوليس بين طرفي النزاع الرئيسيين في المنطقة، الفلسطيني والإسرائيلي. تحاول الإدارة الأميركية الحالية أن تبدو مثل ملاك سلام ورحمة لمنطقة عانت وتعاني الأمرّين من الاحتلال الإسرائيلي المدعوم بقوة أميركياً.
يبدو الأمر أقرب إلى حركة تضليلية أخرى في العلاقات العامة السياسية الدولية منه إلى اتفاق يرمي إلى البدء بوضع أسس سلام جدي حقيقي في المنطقة. تجهر الولايات المتحدة بالقول إنها تجمّع نفسها ومن معها لتوجيه الجهود والإمكانيات لمحاصرة دول ما يعرف أميركياً بمحور الشر، بالذات إيران ومعها سوريا وحركات المقاومة العربية. بشكل أكثر دقة في المرحلة الحالية تستمر الولايات المتحدة في سباقها المحموم مع الزمن لعزل إيران سياسياً ومنعها من أن تكون أنموذجاً تقنياً وحراً لدول العالم الثالث الأخرى.
في منطقة شبه القارة الهندية وقعت باكستان على مدى السنوات الستة الماضية في دوامة من الفوضى والصراع الداخلي ومع الجار الأفغاني مما يضعها على حافة حرب أهلية شرسة. ذلك ما يمكن أن يُنظر إليه بأنه ميدان آخر لما يُعرف أميركياً ب«الفوضى الخلاقة»، كجزء من سياسة التضليل الجماعي المكشوف.
من مظاهر الفوضى والتخبط في الفكر والانقياد وراء سياسة التضليل الإعلامي الأميركية لدى الطبقة السياسية الباكستانية قادت زعيمة المعارضة الباكستانية الراحلة بنازير بوتو حملة تعتبر استفزازية ضد حكومة مشرف من جهة والأحزاب والجماعات المعارضة من جهة أخرى.
هاجمت الراحلة بوتو الجماعات الإسلامية ظناً منها أنها ترضي خاطر وتشفي غليل الإدارة الأميركية على تلك الجماعات. ذلك ما يجعل أمر تحديد مرتكب حادث قتلها من قبيل شبه المستحيل حتى لو تمت الاستعانة بمحققين وقضاة من محكمة جنائية دولية على غرار «محكمة الحريري». لكن من المؤكد أن يساهم اغتيال السيدة بوتو في تسريع الأمور نحو الأسوأ.
للبعض هنا يبدو التوسع والانتشار الأميركي الحديث إعلامياً مقبولاً بل منقذاً للشعوب من الهيمنة والاستبداد والتخلف والفوضى والرجعية. إلا أن التواجد الأميركي معروف بأنه شديد الوطأة على استقلال الدول وكرامة أهلها واقتصادياتها وثقافاتها وهوياتها. مثلاً حتى تضمن الخطة الأميركية بعيدة المدى في محاربة «الإرهاب» نجاحاً تجب مراجعة العقائد التي تؤسس، حسب الزعم الأميركي، لحالة الاضطراب غير العادية في المنطقة المستهدفة.
بالذات تجب إعادة النظر في الكتب والتعاليم التي تعتبر مقدسة لدى البشر وخاصة المسلمين منهم. من هنا يجب فتح المجال أمام الثقافة الأميركية لكي تحل تدريجياً أو بالسرعة الممكنة محل الثقافة الأصلية. ذلك ما يعيد إلى الأذهان مشاريع أميركية سابقة منها مشروع الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور عام 1958 الذي اعتبر الشرق الأوسط «فراغاً يجب ملؤه».
على أرض الواقع والحقيقة ذلك ما يذكر بما حدث لقبائل الهنود الحمر التي سكنت الأميركتين والقبائل الأصلية في أستراليا ونيوزيلندة والإفريقية منها في جنوب إفريقيا، لكن هذه المرة بشكل عالمي عام وشامل.
جامعة الإمارات
