خلال المئة سنة الماضية تقدمت البشرية تقدماً هائلاً وسريعاً في شتى المجالات، منها البحوث العلمية والطب، والاختراع التكنولوجي والصناعة، وفاق هذا التقدم والتطور كل التوقعات حتى خيال الباحثين، وكان أكثرها شعبية وشهرة، التلفزيون والقنوات الفضائية التي تنقل لك كل ما يدور على الكرة الأرضية، بخيره وشره، بجده واستهتاره.
وكذلك التليفون الذي يصلك بالعالم وتتواصل من خلاله بأي مكان ومع أي شخص بالصوت والصورة وفي لمح البصر، وتطور الأمر أكثر مع الرسائل القصيرة SMS حيث تستطيع الآن الحصول على أي خبر كتابة أو بالصوت خاصة الأخبار الخاصة جداً التي تربط بين أبناء الوطن الواحد وعبر القارات، ومازال هذا الجهاز قادراً على أن يكون ملعباً للاختراع والابتكار ولا ندري ما الجديد الذي سيطرح ربما بعد غد.
مع ذلك يظل الاكتشاف الأكثر بروزاً وتداولاً بين الأفراد في السنوات الأخيرة هو الإنترنت الذي يتقدم يوماً بعد يوم ليحل محل الراديو والتلفزيون والتليفون والصحف، وجميع وسائل الإعلام والاتصالات، ومن خلاله تستطيع الحصول على جميع المعلومات سواءً عن أفراد أو مؤسسات كبيرة أو صغيرة، وبأدق التفاصيل وفي جميع المجالات، ومهما كان طلبك أو هواياتك فإن هذا الجهاز يوفرها لك برضى وعن طيب خاطر، ورغباتك مستجابة.
حيث تستطيع الاطلاع على كل شيء وما تريد مشاهدته أو معرفته وفي أي مكان في العالم سواء كان البحث من أجل التسلية أو من أجل المعرفة وكأنه مخبر «سري» يقدم لك تقارير عن الماضي والحاضر وأحياناً المستقبل، كذلك يستطيع كل شخص أن يبحر في عالم الإنترنت دون حواجز وتأشيرات كما يستطيع التعبير عن رأيه دون خوف من رقيب أو حسيب.
خاصة رقابة الحكومات في بعض الدول، وتوفر لك المواقع المختلفة آخر أخبار وأحداث وبرامج مجانية وبكل اللغات وعلى رأسها اللغة الإنجليزية التي أصبحت لغة العصر، والفضل يرجع للولايات المتحدة الأميركية التي أصبحت لغتها الرسمية الإنجليزية دون أن يتضمن دستورها ذلك.
إن الإنترنت وجهاز الكمبيوتر العقل المحرك له فاق كل اختراعات القرن وهناك أفراد في مجتمع الإمارات استقطبهم هذا الاختراع فأصبحوا يعتمدون عليه في كل شيء ويقضون ساعات وساعات عبر صفحاته، وأعتقد أن هذا ينطبق على أغلب المجتمعات في العالم خاصة الشباب منهم حتى أصبح العالم فعلاً قرية صغيرة. ومع كل هذا التقدم وفي ظله هناك شعوب مازالت تعيش تحت خط الفقر، وملايين لا يستطيعون فك حروف الأبجدية.
ومع ارتفاع عدد سكان العالم وتناقض معيشتهم ومع ازدياد عدد الدول المنضمة تحت لواء الأمم المتحدة قرأت في هذا الخصوص وعبر أحد المواقع على الإنترنت موضوعاً كتبه أستاذ يصف نفسه بأنه متخصص في تاريخ وإنشاء وتكوين الدول، ولأن الموضوع مثير، ألخصه لأشارك القراء في بعض ما ورد فيه.
يقول الكاتب إن فكرة تكوين الدولة بدأت مع مفكرين وفلاسفة اليونان في عهد الإمبراطوريات القديمة ثم انتقلت عبر التاريخ إلى المفكرين العرب والمسلمين الذين أضافوا وساهموا وتصوروا كيفية إنشاء تكوين الدولة، فالتقط المفكرون والفلاسفة في أوروبا هذه الأفكار، وطالبوا بإنشاء الدولة على أسس عصرية مع تحديد الصلاحيات، وانتقل بعضهم إلى أميركا وكندا وأستراليا لإنجاز هذه الرؤية وإظهارها للوجود، ويضيف الكاتب أن الدولة لا يمكن تسميتها بهذا المعنى إلاّ إذا تأسست على المبادئ والأسس التالية:
أولاً: وجود أرض وبشر يعيشون عليها يسمون بأصحاب الأرض وهم المواطنون وأصحاب القرار والصلاحيات ويعتمد هؤلاء نظام حكم يستند إلى دستور مكتوب يحترمه الجميع، ونظام الحكم قد يكون ملكيا أو جمهوريا حسب قرارهم ويجب ان تكون له قدسيته واحترامه، في النظام الملكي، الملك يملك ولا يحكم، أما الرئاسي فالرئيس يختاره الشعب لمدة محدودة أقصاها 12 عاماً.
ثانياً: البرلمان وهو ممثل الشعب وينتخب أعضاؤه من قبل الشعب، وله كل الصلاحيات التشريعية تتبعها الجهة التنفيذية وهي الحكومة. ثالثاً: السلطة القضائية ولها استقلاليتها ومطلق الصلاحية ومكونة من مجموعة محاكم ولا يحق لأي كان التدخل في شؤونها. وعلى رأسها المحكمة الدستورية العليا التي تستطيع أن تحاسب وتقاضي حتى رئيس الدولة. رابعاً: الصحافة وهي السلطة الرابعة، ويجب ان تكون حرة ومستقلة وتعبر عن مصالح الشعب والوطن.
وكل دولة ليست لديها هذه الثوابت لا يمكن تسميتها بالدولة واختار الكاتب من بين دول العالم التي لديها هذه الأسس، دول أوروبا الغربية بنظاميها الملكي والجمهوري، ثم أميركا وكندا وأستراليا، وفي آسيا اختار الهند، حيث اعتبرها أكثر الدول ديمقراطية في العالم، ثم ماليزيا واختار مع الأسف عدوة العرب والمسلمين إسرائيل.
ومن إفريقيا مع أنه لم يعط لهذه القارة أهمية الا انه اختار جنوب إفريقيا والسنغال ضمن من تنطبق عليهم معايير الدولة، وأخيرا اختار تركيا بعد أن تخلت عن ثوبها العسكري وانطلقت إلى الديمقراطية وقد تكون هذه بدايتها حسب قوله، أما أغرب تعليق للقراء حول هذا الموضوع هو ما جاء في رسالة أحدهم حيث يقول: إن أي بلد لا تنطبق عليه هذه المعايير، من حق العالم مشاركته ثرواته لأن هذا البلد لا يعتبر دولة ذات سيادة.
هكذا يفكر البعض وقد يكون بينهم حكام أو أصحاب قرار يعتقدون ان من حقهم احتلال دول حسب رأيهم لا شرعية لها، كما قد يكون من بينهم قادة المستقبل، ومن هذا المنطلق قد يفكرون في استعمار جديد مغلف بالعولمة ومعزز بابتكاراتهم وإبداعاتهم التكنولوجية التي قد تؤهلهم إلى احتلال الدول مباشرة دون الحاجة إلى التسويق له أو الإفصاح عن أسبابه، أو البحث عن حلفاء له، أو ربما قد تفتح لهم الدول أبوابها لكي يحتلوها بسلام لأنها غير مؤهلة لمجاراتهم في هذا العصر.
كاتب إماراتي