من الثابت أن رجلاً.. أي رجل لا يمكنه أن يصنع بذاته أمة من الأمم بل الأمم بذاتها هي التي تصنع رجالها، لكن المؤكد أن رجلاً ما بذاته في ظرف تاريخي بذاته من بين رجال أمته، وبخصائص الظرف الذاتي بشخصه وشخصيته، وبنضج الظرف الموضوعي بشعبه وأمته يمكن أن يكون في لحظة تاريخية ما وفى موقع جغرافي ما رجلاً تاريخياً هيأته الأقدار ليقود عملية تغيير كبرى أثرت إيجابياً في تاريخ أمته.
خصوصا إذا نجح مثل هذا الرجل أن يكون هو المعبر بوعي عن ضمير شعبه في ظل حقائق الصراع الوطني مع القوى الاستعمارية الخارجية حماية للوطن، أو إذا استطاع بوسيلة ديمقراطية برلمانية، أو إذا استطاع بعملية تغيير ثورية أن يتقدم الصفوف ليكون القائد بحسم شخصي وبقبول شعبي في لحظة وطنية ما تتبلور فيها نتائج الصراع السياسي بين القوى السياسية الداخلية سعيا إلى السلطة.
إن مثل هذا الرجل التاريخي، يبقى جزءاً من تاريخ أمته لا يمكن إسقاطه سواء نجح في تحقيق كل أهدافه أو نجح أعداؤه في إفشال بعضها، وسواء انتصر في كل معاركه أم استطاع أعداؤه كسب بعضها، وسواء أيدته الغالبية الشعبية، أو عارضته الأقلية من النخبة السياسية الليبرالية المتنفسة على حساب الأغلبية الشعبية المختنقة، أو من أصحاب المصالح الاقتصادية الرأسمالية المتنفذة التي كانت تمثل طبقة النصف في المئة على حساب الغالبية العظمى من الطبقات الشعبية المحرومة والمظلومة..
ولأن الإجماع لم يتحقق يوما ما في أي مجتمع بل في العالم كله حول فكرة ما مهما كانت صحيحة أو رؤية ما مهما كانت عادلة أو رجل ما مهما كان مخلصا، ولأن رجلاً ما مهما كان يملك من إخلاص ومن صدق ومن عدالة لا يمكن أن تخلو اجتهاداته بأقواله أو بأفعاله من ايجابيات وسلبيات أو من جوانب الخطأ وجوانب الصواب، لأن أي تجربة إنسانية لابد أن تحاسب موضوعيا باعتبارها إنسانية لا شيطانية ولا ملائكية.
فإنه من الطبيعي أن يعارض تجربة هذا الرجل بعض الناس أو يؤيده بعض الناس، ولكن لا يمكن أن يتجاهله كل الناس ولا أن يحترمه كل الناس مهما كان حجم اختلافهم معه، والدليل أنه يبقى للعام السابع والثلاثين بعد وفاته والعام التسعين على ميلاده في بؤرة اهتمامات المعارضين والمؤيدين.. ذلك لأنه يبقى برغم كل الحسابات علامة بارزة في ذاكرة شعبه وأمته كبيرا بأخطائه على قلتها وكبيرا بانجازاته على كثرتها.
ربما كان واحدا من بين الرجال الكبار الأكثر إحساسا بآلام شعبهم والأصدق تعبيرا عن آمال أمتهم والأخلص وعيا وسعياً لتحقيق أهداف نضال هذا الشعب وهذه الأمة في الحرية والعدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفى الوحدة الوطنية والقومية.
لكن عشرات الملايين من الشعب المصري التي ذاقت في ظل قيادته طعم الحرية والعدالة والكرامة بما لا يمكن مقارنته بما كان قبله ولا بما جاء بعده، ومئات الملايين من الشعب العربي ومن شعوب العالم الثالث الذي رأت فيه رمزا للنضال من أجل الحق والعدل والحرية ونصيرا للفقراء والمظلومين والمحرومين في مواجهة الاستعمار القديم والجديد.
والرأسمالية بلا قلب والإقطاعية بلا ضمير في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية مازالت في غالبيتها الكبرى تحب وتحترم هذا الرجل الكبير الذي يمثل الخامس عشر من يناير الذكرى التسعين لميلاده.. أتحدث عن جمال عبد الناصر..
الذي قاد الانتصارات وواجه الهزائم بشجاعة الرجال الكبار في كل الملاحم الكبرى التي خاضها في ملحمة الثورة وملحمة الجلاء وملحمة السويس وملحمة السد العالي وملحمة أخطر وأهم قرار عربي في التاريخ الحديث باستعادة قناة السويس المصرية، وملحمة بناء التنمية الوطنية والعدالة الاقتصادية والاجتماعية..
ورغم النكسات والعقبات بقيت تجربته الوطنية والقومية تاريخية وملهمة للحاضر والمستقبل، والتي استطاعت تحدي الاستعمار بقواه وأدواته، بل والانتصار عليه رغم جبروت القوى الغربية العاتية التي واجهته وعلى رأسها الإدارة الأميركية، ورغم الحرب العدوانية للقوى الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية والصهيونية والتي لاتزال مستمرة، والمقاومة لها مستمرة.. مع عبد الناصر أو بعد عبد الناصر!