بئست الذكرى.. ذكرى افتتاح «باستيل» القرن الحادي والعشرين الذي يطلق عليه معسكر غوانتانامو. مع حلول يوم 12 يناير الجاري انقضت ست سنوات على مئات من المعتقلين المسلمين وهم داخل أقفاص رهن الاعتقال دون محاكمة ودون اتهامات قانونية ودون السماح لأي منهم بمقابلة محام أو حتى مراسلة ذويهم، وإذا كان مبدأ سيادة القانون هو جوهر القيم الديمقراطية فأي ديمقراطية تلك التي تمارسها السلطة الأميركية؟
بذريعة «الحرب على الإرهاب» وعلى أساس الشبهة أو الوشاية فقط نفذت الاعتقالات الجماعية. ولأن السلطات العسكرية الأميركية تعلم علم اليقين أنه ليس بحوزتها أدلة قانونية ضد المعتقلين يمكن أن تصمد أمام محكمة ولأنها تدرك بالتالي أن احتجازهم غير قانوني فإنها نقلتهم إلى مكان خارج الأراضي الأميركية حتى لا ينطبق عليهم القانون الجنائي الأميركي، وهكذا أيضاً، خارج الإطار الجغرافي للقانون عمدت السلطات العسكرية إلى ممارسة التعذيب بأشكاله الجسدية والنفسية على المعتقلين دون خشية من عواقب قانونية.
ولكن هل كان من الممكن للسلطة الأميركية ان تسلك هذا المسلك المشين اللاإنساني لو اتخذت حكومات الدول العربية والإسلامية التي ينتمي إليها المعتقلون موقفاً حازماً من قبيل الانتصار للعدالة في حق مواطنيهم؟
على العكس من ذلك تماماً فإنه من ناحية غضت كافة هذه الحكومات الطرف بينما أومأ بعضها للسلطات الأميركية بالموافقة، وبعض هذه الحكومات ذهبت أبعد من ذلك بدخول أجهزتها الأمنية في اتصالات مع الأجهزة الأمنية الأميركية لتسلم معتقلين لاستكمال عمليات تعذيبهم في معتقلات عربية وإسلامية.
وعلى خلفية هذه الصورة البشعة جرت عمليات تعذيب وحشي في سجن أبو غريب العراقي على أيدي عسكريين أميركيين بينما نقل معتقلون من غوانتانامو إلى مراكز تعذيب سرية يشرف عليها عناصر الاستخبارات الأميركية في بعض بلدان أوروبا الشرقية ومراكز أخرى مماثلة داخل سفن حربية أميركية مرابطة على المياه الدولية، كل هذا جرى ويجري دون أن يقدم أحد إلى محكمة لتقرر هل هو مدان أم بريء.
مع ذلك لا يكف رئيس الإدارة الأميركية وأركانها عن «التبشير» بنشر الديمقراطية في أنحاء العالم العربي والإسلامي، فالقول شيء والفعل شيء آخر: فقد ثبت أن الهدف من الدعوة الأميركية إلى الديمقراطية ليس سوى ابتزاز الأنظمة الاستبدادية ليركبها الخوف حتى تكون أكثر ولاء لواشنطن وأجندتها المبنية على حماية أمن إسرائيل والتمكين لها في المنطقة كقوة إقليمية متفوقة على الجميع.
في هذا السياق جزعت إدارة بوش عندما حقق الإسلاميون نجاحاً ملحوظاً في الانتخابات في إحدى الدول العربية. ورفضت نتيجة عملية انتخابية برلمانية عندما أسفرت عن فوز كاسح لحركة «حماس» الفلسطينية، وذهبت إلى ما هو أبعد من مجرد الرفض عندما جاءت نتيجة انتخابات رئاسية نظيفة في فنزويلا بانتصار الزعيم اليساري هوغوشافيز. فقد شاركت في تدبير انقلاب «فاشل» ضد هذا الزعيم الشعبي. إن معسكر غوانتانامو سيدخل التاريخ كعنوان قبيح لقيم أميركية زائفة تنطلق من نفاق منهجي.