كل شيء واضح في أذهان العالم أجمع، باستثناء القيّمين على السياسة في العالم العربي عموماً، وفي الساحة الفلسطينية على وجه الخصوص، الذين يتحدثون طوال الوقت عن خيار استراتيجي للسلام مع الدولة العبرية الاستعمارية، بينما لا تتوقف الأخيرة عن محاولات فرض مشروعها العدواني بالقوة، ليس على أرض فلسطين فحسب بل على المنطقة برمتها أيضا.

حتى أن محاولة تفسير مغالاة هؤلاء في ترديد هذا الطرح والتركيز عليه في مناسبة وفي غير مناسبة، باتت عقيمة ولا يمكن فهمها إلا من باب الاستهزاء بعقول الناس وقدرتهم على التفكير.

لا بل إن كثيرا من الكذب يمارس على غير صعيد في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ففي حين تستخدم كافة الأطراف الدولية المنغمسة في محاولات حل الصراع العربي ـ الصهيوني عبارة «القضايا الجوهرية» في عملية التسوية الإسرائيلية الفلسطينية المزمع التفاوض حولها بين فلسطينيين وإسرائيليين في المرحلة الحالية، يصر بعض رموز السلطة في رام الله على استخدام عبارة «قضايا الحل النهائي».

في محاولة منهم لإيهام الناس بأن أمور التسوية تسير على خير ما يرام، وأن قضايا المرحلة أو المراحل المؤقتة قد تم إنجازها وولت بلا رجعة ولا ينقصها سوى الولوج إلى قضايا المرحة النهائية ليس إلا. عن أي مفاوضات وضع نهائي يتحدثون؟

بالإضافة إلى أن الواقع يشير بوضوح مطلق إلى أن عملية أوسلو ونظيرتها خارطة الطريق، ركيزتا التسوية التي يتحدثون عنها، أصبحتا في عداد الأموات باعتراف الجميع، وأن عظامهما أصبحت مكاحل، فإن رموز السلطة الفلسطينية هم أول من يعلم أن أي كلام عن قضايا حل نهائي، ما هو إلا مجرد كلام فارغ لا محل له من الإعراب على أي أجندة سياسية حقيقية مطروحة في المنطقة، ولا سيما الأجندة التي قام على أساسها الرئيس الأميركي جورج بوش بزيارة رام الله مؤخرا.

ذلك أن استراتيجية الولايات المتحدة الخاصة بالدولة العبرية واضحة لا لبس فيها على هذا الصعيد، وهي تقوم على ركيزتين أساسيتين غير قابلتين لأي نقاش أو مساومة، وتتمثلان في ضمان يهودية هذه الدولة المارقة وأمنها. فضلا عن أن قضايا الوضع المؤقت ليست متعثرة فحسب، بل إنها غير مطروحة أصلا، في ظل استمرار الجيش الإسرائيلي في انتهاج سياسة فرض الأمر الواقع المعتمدة من قبل القادة الصهاينة منذ أن تبادرت إلى أذهانهم فكرة إنشاء وطن قومي لملتهم اليهودية على أرض فلسطين.

تلك السياسة القائمة على التوسع ومصادرة الأراضي والاستيطان والجدار من ناحية، وتصعيد العدوان وعمليات الاغتيال والقتل في محاولة للضغط على الناس وتهجيرهم خارج أراضيهم من الناحية الأخرى. ثم إن خارطة الطريق بمرحلتها المؤقتة تفرض على الجانب الفلسطيني فرض قبضته الأمنية على كافة المناطق التي يفترض أنها تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، ما يعني، في المقام الأول، اجتثاث ظاهرة المقاومة من مدن وقرى الضفة وغزة كافة.

الأمر الذي تنبذه فصائل المقاومة جراء قناعتها بأن قوات الاحتلال هي التي تمتلك اليد الطولى، وهي التي لا تزال تتحكم في مقاليد الأمور وفي كل شاردة وواردة، وأن قبضة احتلالها لا تزال هي سيدة الموقف في كل بقعة هناك، وأنها لا تتوانى عن إعادة اجتياح أي منطقة مرة تلو الأخرى، لاغية بذلك أي دور لأجهزة أمن السلطة التي تعيث فيها دودة الفساد خرابا أصلا.

ناهيك عن أن أي دور سياسي هو محظور على تلك السلطة من حيث المبدأ، في ظل إصرار تل أبيب على ترسيخ سيادتها على كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية الأساسية في الضفة والقطاع، وعلى التمسك بلاءاتها الغنية عن التعريف والمتعلقة بقضايا اللاجئين والقدس والحدود.

فلقد عبر الرئيس بوش بوضوح شديد عن توجهات التحالف الصهيوأميركي الحالية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وعاد بها إلى مهدها الأول، إلى قرار الهدنة لعام 1949، مؤكدا على وجوب مراجعة تلك الهدنة التي يتضح من هويات الموقعين عليها أنها لا تخص الفلسطينيين لا من قريب ولا من بعيد، ذلك أن هدنة 1949 قد تم التوقيع عليها في جزيرة رودس في البحر المتوسط بين قادة جيوش كل من مصر والأردن وسوريا ولبنان من جهة، وبين قادة الكيان الصهيوني الناشئ من جهة أخرى، فأين موقع الفلسطينيين في هذه المعاهدة؟

لكن ما كان بوسع بوش النطق بوجهة نظر كهذه، تسعى إلى إخراج القضية الفلسطينية من إطارها الدولي فضلا عن إلغاء حق عودة اللاجئين إلى ديارهم، لولا إدراكه بأن اللغة التي يستخدمها هي لغة القوة والقوة وحدها، بعيدا عن أي منطق سياسي أو حتى إنساني.

bassil@albayan.com