يثور سكان الحي على رجال القانون ـ في المشهد الأخير من الفيلم ـ ويقومون بتحطيم مركز الشرطة مطالبين برأس «حاتم» الذي كان يستغل وظيفته فيفرض الإتاوات على السكان ويبسط سيطرته على كل مرافق الحي، حتى وصل به الأمر إلى اغتصاب جارته الشابة عندما رفضت الزواج منه ـ في إشارة واضحة إلى اغتصابه السلطة ـ لتنتهي الأحداث بتحطيم بوابة المركز واقتحامه لإطلاق سراح الموقوفين الذين استمر احتجاز الشرطة لهم.
رغم قرار النيابة بالإفراج عنهم، وأخيرا يتم إلقاء القبض على أمين الشرطة (حاتم) الذي كان يردد طوال الفيلم عبارة «اللي ما يحبش حاتم ما يحبش مصر» كلما أبدى أحد اعتراضا على تصرفاته أو تذمر منها.
ربما لا نستغرب أن تكون نهاية فيلم يوسف شاهين الجديد (هِيَّ فوضى) على هذا النحو، بعد أن تمادى «حاتم» وزملاؤه من رجال الشرطة في استغلال سلطاتهم وسخروها لخدمة مصالحهم الشخصية وتطلعاتهم الوظيفية، لكن الغريب هو موقف الجمهور في صالات السينما وهو يصفق للخارجين على القانون وهم يقومون بضرب ضباط الشرطة.
الأمر الذي لم يكن مألوفا من قبل، فهل انقلبت الآية وأصبح الناس يتعاطفون مع الخارجين على القانون إلى الدرجة التي جعلتهم يصفقون لبطل فيلم «الجزيرة» عندما أعلنها صريحة «من النهار ده ما فيش حكومة.. أنا الحكومة»، بعد أن أقام مملكة لزراعة الأفيون بمساعدة المطاريد الذين استقدمهم من الجبل بالاتفاق مع ضابط الشرطة؟
هذا الموقف تكرر في جميع الأفلام الجديدة التي قدمتها لنا السينما المصرية مع نهاية عام 2007، لتعود بها إلى مسارها الصحيح بعد سلسلة الأفلام الهابطة التي شاهدناها لمن أطلقوا على أنفسهم «نجوم الكوميديا الجدد» من أمثال محمد هنيدي ومحمد سعد (اللمبي) ورفاقهما، الذين انحدروا بالسينما المصرية إلى إسفاف لم تشهد له مثيلا في أسوأ مراحلها.
ربما يكون تبرير خالد يوسف مخرج فيلم (حين ميسرة) هو الأقرب إلى المنطق، عندما صرح لجريدة (الدستور) قائلاً إن الناس ليس لديها عداء ضد مؤسسة الشرطة التي من المفترض أن من واجبها الحفاظ على الأمن والنظام وإرساء قيم العدالة، لكن الناس ضد الممارسات القمعية التي يقوم بها بعض المنتمين للحكومة الذين يمثلون السلطة، لذلك صفق الجمهور لمن يأخذ حقه ويعوضه عن القهر والظلم والفقر الذي يذوقه على أرض الواقع.
تفاعل الشعب المصري مع السينما الجادة يعتبر ظاهرة إيجابية بعد أن اعتادوا على سينما (الهلس)، كما يقول خالد يوسف الذي يذكر أنه عندما كان يقوم بتصوير الفيلم لم يكن في ذهنه أن الناس من الممكن أن تصفق للإرهابي الذي يقتل ضابط الشرطة، أو البلطجي الذي يهدد الضابط، لكنه فقط كان يقوم بعمل الفيلم لأنه مقتنع بالأفكار التي يتناولها وبقدرته على تجسيد الواقع الذي نعيشه.
هذه الأفكار التي تناولها المخرج خالد يوسف كانت خيطا ربط مجموعة الأفلام التي كان أبرزها «هِيَّ فوضى» و«حين ميسرة» و«الجزيرة» و«خارج على القانون». أما تصفيق الجمهور للخارجين على القانون فيبرره الدكتور جمال زهران عضو مجلس الشعب المصري وأستاذ العلوم السياسية قائلا إن تصفيق الناس داخل دور السينما لمن يضرب ضباط وعساكر الشرطة، يعبِّر عن مدى غضبهم تجاه الحكومة التي يشعر المواطن أنها تنتقم منه.
وأن البلد لم يعد بلده، لذلك أصبح الشعب في حالة غليان شديدة. وزاد من حالة الغليان قضايا التعذيب وإلقاء القبض على عشرات منهم دون سبب، حتى ان أحد اللواءات السابقين صرح بأن هناك آلافا من المحاضر يتم تلفيقها للمواطنين.
ولكن إلى أي مدى يمكن أن تؤثر السينما في الجمهور، وهل يمكن أن تدفعه إلى فعل إيجابي يغير من الواقع الذي يعترض عليه؟
هذا ما يجيب عنه الناقد السينمائي محمود قاسم قائلا إن الفن يُعتبَر «منبِّها» لكنه ليس «مثيرا»، لذلك لم نر أبدا أن جمهور السينما خرج في مظاهرة بعد مشاهدته أي فيلم مهما بلغت نسبة النقد داخله. والرقابة تفهم ذلك جيدا، لذلك لم تتدخل كثيرا في هذه الأفلام، بل تركت الجمهور الذي خرج في «فسحة للسينما» يشاهد ما يريد، وسينتهي الأمر بمجرد خروجه من قاعة العرض.
بهذا المفهوم تكون السينما فرصة للتنفيس لا أكثر، لكن الحديث عن النقد الفني يجرنا إلى ملاحظة أن هذا النقد لم يعد يهتم إلا بالقشور تاركا لب المواضيع، إذ لم تعد الصفحات الفنية والمواقع الإلكترونية توجه اهتمامها إلا للفضائح، مركِّزة على كل ما يخاطب الغرائز مما يستقطب شريحة واسعة من الجمهور الذي تستهويه مثل هذه الأمور.
خاصة إذا تم اختراق المحظور والدخول إلى منطقة الشذوذ التي تجتذب البعض أكثر مما يشده مضمون العمل الفني والهدف منه. فقد تركت الصحافة الفنية بشكل خاص ووسائل الإعلام بشكل عام.
كل أحداث فيلم «حين ميسرة» الذي سلط الضوء على قضايا مهمة في المجتمع المصري ـ كالعشوائيات والفساد والإرهاب وأطفال الشوارع ـ لتركز على قضية لم تستغرق من وقت الفيلم سوى دقائق قليلة جاءت في سياق رحلة الضياع التي تعاني منها بطلة الفيلم، عندما تحاول إحداهن ممن وضعتها الظروف في طريقها استغلال حاجتها للدخول معها في علاقة شاذة فترفض البطلة ذلك.
وتمضي أحداث الفيلم بعد ذلك راسمة صورة تحاول الاقتراب من قاع المجتمع، الذي اعتذر مخرج الفيلم في نهايته لأنه لم يستطع أن ينقل سوى جزء يسير من الصورة، أما الواقع فهو أكثر مرارة بكثير مما شاهدناه في الفيلم، كما سجل خالد يوسف اعترافه على مشهد النهاية الذي كان أقرب إلى بث روح اليأس منه إلى إحياء جذوة الأمل طالما بقيت الأمور تنحدر من سيئ إلى أسوأ.
هذه الصحوة التي تمثلها موجة الأفلام الجديدة تطرح أكثر من سؤال حول الفجوة التي تتسع يوما بعد يوم بين السلطة والشعب في كثير من دول العالم الثالث بشكل عام، وحول الدور الذي يمكن أن يلعبه الفن في التعبير عن رأي الجماهير؛ هذا الدور الذي يحاول تغييبه الطارئون على الفن، ويحاول تحجيمه المتضررون منه، ويحاول تكريسه المدركون لأهميته وقدرته على التحريك إن لم يكن التغيير.
كاتب إماراتي