قبل ما يقارب نصف قرن شرع الرئيس جون كينيدي في إجراء تغيير جذري وشامل في أسس السياسة الدولية الأميركية بنبذ التحيز الأميركي التقليدي لإسرائيل لتبني سياسة متوازنة بين الدولة اليهودية والعرب.
وكانت النتيجة أن كينيدي فقد حياته في حادثة الاغتيال الشهيرة في مدينة دالاس عام 1963، قبل أن يكمل ولاية رئاسية أولى، ومنذ ذلك الحين لم تعد الولايات المتحدة إلى سياستها التقليدية فحسب، بل إن الرؤساء المتعاقبين على البيت الأبيض ـ الديمقراطيين ليندون جونسون وجيمي كارتر وبيل كلينتون والجمهوريين ريتشارد نيكسون ورونالد ريجان وبوش الكبير وبوش الصغير ـ صاروا يزايدون على بعضهم البعض في كيفية دعم إسرائيل استرضاءً لزعامات الحركة اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة.
الآن في سياق حمى السباق الانتخابي التمهيدي أخذ المتنافسون من الحزبين أو داخل الحزب الواحد يتزايدون في الحديث عن «التغيير». والانطباع العام هو أن المنافس الديمقراطي الزنجي باراك أوباما أصبح وكأنه رمز لهذه الظاهرة، فما هو جوهر هذه النغمة الجديدة.. أي ما هو نوع التغيير المراد والذي يتنافس فيه المتنافسون؟
لا أحد من المرشحين يعطينا إجابة واضحة ومحددة وشافية عن هذا السؤال الأساسي.. ولا حتى المرشح الزنجي الرمز نفسه. وإجمالاً تبدو النغمة غامضة ومبهمة.. مما يؤدي لطرح سؤال تال: هل المقصود هو تغيير حقيقي جذري في الأداء السياسي الأميركي على نحو ما كان عليه توجه جون كينيدي أم هو تغيير زائف يراد تنفيس مشاعر التذمر بين فئات الجمهور الأميركي التي بدأت تتنامى وتتصاعد في عهد جورج بوش الابن كرد فعل على التداعيات الداخلية والخارجية التي أفرزتها مرحلة ما بعد أحداث سبتمبر 2001؟
تيار التذمر المتصاعد نشأ عن تحول الولايات المتحدة إلى دولة بوليسية داخلياً وإلى دولة عدوانية تشعل حروباً خارجية خاسرة ومكلفة وغير مبررة تنعكس سلباً على الاقتصاد الوطني وبالتالي على المستويات المعيشية للأسر الأميركية العادية.
وبما أنه بات معلوماً أن وراء هاتين الظاهرتين مجموعة «المحافظين الجدد» التي تتكون من شخصيات تدين بالولاء للحركة اليهودية الأميركية فإنه انبثق عن التذمر العام المتنامي تساؤل عن ولاء هذه الحركة للمصالح القومية الحيوية للولايات المتحدة عوضاً عن الولاء لأمن الدولة اليهودية الإسرائيلية، فهل يمثل الزنجي باراك أوباما تيار التذمر هذا؟، هل هو «كينيدي» جديد؟
لعل من المبكر الحصول على إجابة كافية وشافية عن هذا السؤال، فبما أن هذا السياسي الأسود لا يزال غامضاً في طرحه العلني خلال التجمعات الانتخابية فإن الأفضل أن ننتظر إلى أن تتضح معالم صورة طرحه، خاصة أنه ليس له تاريخ سياسي يعتد به.
على الطرف الآخر لا تحتاج الصورة إلى مزيد من الوضوح، فهناك على الأقل اثنان من المتنافسين ـ هيلاري كلينتون ورودي جولياني ـ يطرحان أفكارهما وكأنهما ممثلان للحركة اليهودية أو متحدثان باسم إسرائيل.
في كل الأحوال علينا كعرب ألا نسرف في التصور بأن أوباما رسول تغيير جذري وشامل مناهض للنفوذ اليهودي في مؤسسة السلطة الأميركية، ربما يكون كذلك، ولكن بنفس القدر ربما تكشف لنا الأيام لاحقاً أنه قد يكون رمزاً زائفاً اختارته قيادة الحركة اليهودية الصهيونية لتنفيس التذمر الشعبي ليس إلا، ولننتظر لنرى.