في السنة الأخيرة من ولايتيه تذكر الرئيس الأميركي جورج بوش ان جوهر المشاكل التي تعاني منها المنطقة تنطلق من الأراضي الفلسطينية المحتلة والعذابات التي يتعرض لها الفلسطينيون من قتل وتشريد على يد آلة القمع الإسرائيلية التي تنحاز إليها الإدارات الأميركية المتعاقبة من دون شرط او قيد.

ومن حسن الطالع ان لعب الطقس السيئ لعبته فأجبر الضباب الرئيس الأميركي على اختراق الحواجز الإسرائيلية التي تقطع أوصال الأراضي الفلسطينية بدلاً من الاكتفاء بالحديث عنها فيما تحلق ـ كما كان مقرراًـ مروحيته وهو في طريقه إلى رام الله، رغم ان تلك الحواجز مجرد واحدة من المشكلات التي تتعمد إسرائيل خلقها في وجه الفلسطينيين بذريعة الأمن.

لكن ماذا حمل بوش في جعبته وهو يحاول تسويق صورة جديدة لساكن البيت الأبيض الذي تجاهل على مدى سبع سنوات صرخات الفلسطينيين من الحصار الإسرائيلي الجائر وعمليات القتل والتشريد اليومي لأهالي غزة وأبناء الضفة؟

نفس النغمة التي كررها مسؤولون أميركيون ومنهم بوش نفسه عن ضرورة اتخاذ الفلسطينيين والإسرائيليين «لاختيارات صعبة» من دون التفرقة بين الضحية والجلاد، لكن هذه الخيارات الصعبة كما هو معتاد يجب ان تكون في الجانب الفلسطيني بشكل أساسي بحيث يتنازل الفلسطينيون عن حق العودة والتساهل في قضية القدس، وقمع النشطاء «المتمردين» على رؤية بوش وأولمرت في غزة.

أما الحديث عن قرارات الشرعية الدولية، ووقف الاستيطان، فتم تجاهلهما رغم إلحاح الصحافيين على بوش للإدلاء برأيه بشأنهما حيث راوغ وناور من دون ان يعطي كلمة فصل في القضايا الجوهرية التي تشكل لب الصراع.

ورغم تذكر بوش ان هناك مبادرة سلام عربية أعاد العرب تقديمها في أكثر من مناسبة لاستئناف مسيرة التسوية، اكتفى بوش بمطالبة العرب بمد يدهم لإسرائيل من دون ان يطالب تل أبيب الأخذ بها، او الاستناد إليها في المفاوضات التي ستقتصر حسب إلحاح بوش على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في اطار مرجعية أميركية صرفة لا علاقة لها بالبعد الإقليمي او الدولي. فلا العرب معنيون بشكل مباشر بالقضية ولا للأوروبيين دور ولا حتى للأمم المتحدة وقراراتها الشرعية أي حضور في المشهد.

نحن أمام تسويق لرؤية قديمة تحاول إسرائيل فرضها على الفلسطينيين منذ سنوات وجاء بوش إلى المنطقة لإعادة إخراجها في صورة جديدة، تقول ان القوة العظمى ليس صحيحا انها تتجاهل في عهد بوش جوهر الصراع في المنطقة، وان البيت الأبيض يلقي بثقله من اجل حل «الدولتين» الذي تفاخر بوش في مؤتمره الصحافي في رام الله بانه أول رئيس أميركي تحدث عنه باعتباره الحل الأمثل لمشكلة مستعصية على الحل.

وكرر بوش الكلام عن ضرورة تطبيق خارطة الطريق الذي قطعت إسرائيل أوصاله بجدار الفصل العنصري وزرع المزيد من المستوطنات في قلب الأراضي الفلسطينية حتى يتسنى لها التذرع بعد ذلك بما هو قائم على أرض الواقع، فيما على الفلسطينيين التسليم لها بالتهام المزيد من أراضيهم.

وذراً للرماد في العيون دعا بوش الإسرائيليين إلى إنهاء احتلالهم للضفة الغربية ،بعد ان ظهر الانحياز الأميركي السافر إلى جانب إسرائيل بالتأكيد على أمن إسرائيل باعتبارها«وطنا للشعب اليهودي» التي لم يمل بوش عن تكرار تأكيد التزامه بحمايتها.

عطف بوش بزيارته لـ رام الله له ثمن فادح ،فلن تفلح الصيادية والفتوش والكبة التي تناولها بوش في أوان أميركية، في ضيافة الرئيس الفلسطيني، من تقليل الفاتورة الطويلة من المطالب التي يتحتم على الفلسطينيين دفعها إرضاء لإسرائيل عبر البوابة الأميركية التي جاء الرئيس الأميركي حاملاً تفاصيلها.