شاء العرب أن يبدأ العام الجديد بمفاجأة نرجو ألا تكون مجرد خطوة أملتها الظروف الدقيقة فقط، بل أن تكون فاتحة لمسار جديد للتحرك العربي في الفترة القادمة والأمة تمر بأخطر أزماتها.

وأظن أن أحداً لم يتوقع عندما دعت مصر والسعودية لاجتماع استثنائي لوزراء الخارجية العرب للتدارس حول الأزمة في لبنان هذه النتيجة التي وصل إليها الاجتماع. بل على العكس كان الجميع يتوقع الأسوأ، بعد أن فشلت كل المبادرات السابقة اللبنانية العربية والدولية، وبعد أن استبق الفريقان المتنازعان في لبنان الاجتماع بتصريحات تزيد التشاؤم.

فالأقلية أبدت القلق من أن تكون الدعوة بهدف تحمليها وتحميل سوريا المسؤولية عن الموقف، لتكون تلك الإدانة العربية ورقة يمكن استغلالها من الولايات المتحدة في سعيها لمحاصرة سوريا وحزب الله وفرض العقوبات الدولية عليها.

والأغلبية أبدت شكوكها من لجوء الجامعة العربية لتخصيص الاجتماع لبحث تطورات الموقف على الجبهة الفلسطينية بجانب الأزمة في لبنان، ورأت في ذلك محاولة لتخفيف الضغط على سوريا، وانتقدت بعض فصائلها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى للزج بالموضوع الفلسطيني بدلاً من تسليط الأضواء على الأزمة اللبنانية وحدها، وترك الاجتماع ليتحول إلى محاكمة لدمشق كما يأملون!!

وبينما كان أغلب المراقبين يتوقعون صداماً في الاجتماع بين وزيري خارجية سوريا والمملكة العربية السعودية، كان البعض يتصورون أن صدور الدعوة للاجتماع من السعودية ومصر تعني التنسيق بينهما على موقف واحد.

وهذا التنسيق قد يكون بهدف الضغط والإقناع ولكنه لن يصل إلى الصدام، خاصة في ضوء استمرار المحاولات المصرية لتقريب وجهات النظر بين دمشق والرياض رغم خلافات متعددة بين قيادات مصر وسوريا تم تجاوز بعضها، ومازال بعضها الآخر قائما ولكنه لم يمنع تواصل الجهود للتقريب بين العواصم الثلاث، وهو ما جعل هناك من يستبعد أن تكون الدعوة المصرية السعودية لمجلس الجامعة العربية هو دعوة لصدام مع دمشق، ولكنها ـ وفقاً لهذا التصور ـ لم تكن أيضاً دعوة لتجسيد توافق تم التوصل إليه وفقاً لكل المعطيات التي كانت متوفرة حتى موعد الاجتماع!

ثم كانت مفاجأة اللقاء الخاص في منزل عمرو موسى والتي ضمت وزراء خارجية الدول الثلاث (مصر والسعودية وسوريا) بالإضافة إلى وزير خارجية عمان ورئيس وزراء قطر اللذين كانا طرفين في اتصالات ومباحثات أساسية في الأيام الأخيرة بين الأطراف.

ثم كانت أيضا مفاجأة الاتفاق السريع على بنود البيان الذي يحمل الرؤية العربية المشتركة لحل الأزمة في لبنان، والذي تبناه بعد ساعات وزراء الخارجية العرب جميعاً ليفتحوا باباً لحل الموقف الخطير في لبنان، وليضعوا الفرقاء في لبنان أمام مسؤولياتهم. فالأمر لم ينته عند هذا الحد.

والقضية في النهاية سيحسمها الأشقاء في لبنان، ولكن الجهد العربي هنا مطلوب وبشدة، ولا ينبغي أن يقتصر على زيارة عمرو موسى لبيروت ومباحثاته هناك، ولا حتى على التحرك الإيجابي لسوريا والسعودية مع الأطراف اللبنانية القريبة من كل منهما، بل ينبغي أن يتوحد الجهد العربي، وأن يوجد الجميع في بيروت ليتحدثوا بصوت واحد لا يستهدف إلا شيئاً واحداً هو إخراج لبنان من أزمته.

وإعادة الحوار المطلوب بين أبنائه للتوافق على الحلول للقضايا الأساسية التي تواجههم، وهو توافق ليس عسيراً التوصل إليه إذا توقفت الاستجابة لمحاولات الاختراق الخارجي، وإذا أدرك جميع الفرقاء أن أي حل لن يكتب له النجاح إلا بالحفاظ على صيغة لبنان التوافقية وبهويته العربية في وجه مشروع صهيوني كان ومازال وسيظل هو الخطر على لبنان وعلي المنطقة كلها.

الحل ليس عسيراً، ولكنه ليس في قبضة اليد، وسوف تقف ضده أطراف عديدة (خارجية ومحلية) لأنه لا يحقق مصالحها. ولكن دعونا نراهن على القوى الأساسية في لبنان التي تقدر المسؤولية وتدرك أن هذه هي لحظة التوافق التي لن يتسامح اللبنانيون مع من يهددها، وأن توافق الأطراف العربية الأساسية على الحل يعني أن المصالح الأساسية المشروعة لكل القوى المتصارعة على الساحة اللبنانية سيتم تأمينها.

ولن نستبق الأحداث، بل علينا أن ننتظر متسلحين بالأمل في حل قريب للازمة اللبنانية، مدركين أن الأمر ستواجهه عقبات تعودنا عليها في سراديب السياسية اللبنانية ومؤامرات من أطراف لا تريد أن تسمح بعودة الاستقرار هناك وتفجيرات (وربما اغتيالات) تريد نسف أي فرصة للحل خاصة إذا كان عربياً ولبنانياً، ولنكن على ثقة من أن باباً حقيقياً للحل قد انفتح، ولا يجب إغلاقه إلا بعودة الأوضاع الطبيعة إلى لبنان الشقيق.

لكن الأمر عندي ينبغي أن يتجاوز لبنان بكل تعقيداته، وبكل الآمال التي ينبغي أن تتضافر الجهود لتحقيقها ولإنهاء أزمته. فما حدث في اجتماع القاهرة يمكن أن يكون نقطة انطلاق لعمل عربي مشترك لم نتوقف يوماً عن الدعوة إليه واعتبار اللقاء بين دمشق والقاهرة والرياض حجر الزاوية في بنائه. ومن هنا ينبغي التوقف عند عدة ملاحظات في لقاء القاهرة والبيان الذي صدر عنه.

إن التوافق السريع في اجتماع القاهرة بين الأطراف العربية الرئيسية حول لبنان، يعني أن الكل أصبح مدركاً لحجم الخطر الذي يهدد الجميع، وبأننا لا نستطيع مواجهة هذا الخطر منقسمين، ومن هنا فالسؤال هو: هل سيكون هذا التوافق توافقاً تكتيكياً لإنهاء الأزمة في لبنان، أم انه تفاهم استراتيجي ينبغي أن تمتد آثاره لمجمل الوضع العربي، بإدراك سليم بأنه لا استقرار ولا أمن لأي طرف عربي إلا في ظل استراتيجية مشتركة، وان أي طرف خارجي ـ مهما كان ـ لا يمكن أن يكون البديل عن هذا التعاون العربي المشترك.

إن تعاوناً عربياً مشتركاً تقوده العواصم الثلاث (الرياض ودمشق والقاهرة) هو الأساس الذي يمنع استمرار الكارثة في العراق بفرض التقسيم على أساس طائفي وبتكبيل العراق بقواعد عسكرية دائمة وعقود تهيمن بها أميركا على احتياطي البترول الذي هو هدف الحرب الأساسي، ويمنع تقاسم النفوذ بين أميركا وإيران وربما تركيا على حساب عروبة العراق ووحدته.

ومثل هذه التعاون العربي المشترك هو الذي يحفظ عروبة دول الخليج وأمنها في وجه أخطار تتزايد وأطماع لم يعد يخفيها أصحابها. وهو الذي يصلح الخلل في موازين القوى بما يمكن الدول العربية من إقامة علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والخارجية بما يحفظ مصالحها ويصون هويتها.

ومثل هذا التعاون المشترك هو وحده القادر على صون حقوق الشعب الفلسطيني ومنع الجهود التي يقال إنها تستهدف تحقيق السلام مع إسرائيل من أن تتحول إلى مشروع للتصفية النهائية للقضية الفلسطينية، وفرض التطبيع على العرب دولة بعد أخرى، وتفجير الموقف في العديد من الدول العربية بفرض توطين اللاجئين الفلسطينيين فيها.

الموقف العربي الواحد الرافض لهذا النهج والمتمسك بالشرعية الدولية وبحقوق الشعب الفلسطيني هو الذي يمنع مثل هذه الكارثة، ويجبر العالم على البحث عن تسوية عادلة وليس اعتماد الأمر الواقع الذي تفرضه إسرائيل المدعومة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً من الولايات المتحدة التي تحتاج لمعجزة لكي تفسر كيف تكون وسيطاً نزيهاً وهي تؤيد بقاء المستوطنات وترفض عودة إسرائيل لحدود 67 وتؤيد إسرائيل في تهويد القدس ثم تحاول انتزاع الاعتراف الفلسطيني والعربي بيهودية الدولة الإسرائيلية لتفتح الباب ليس فقط لعدم عودة اللاجئين لوطنهم، بل لـ «ترانسفير» جديد يهدد عرب 48 بأن ينضموا لملايين اللاجئين!!

وليس الأمن بمعناه الضيق في مواجهة التهديدات العسكرية هو ما ينبغي أن يشغلنا ونحن نتحدث عن التوافق العربي المطلوب في مواجهة التحديات العديدة التي تواجهها الأمة. وإنما الأمن بمعناه الواسع هو ما ينبغي أن نضعه أمامنا، وبناء القوة العربية الاقتصادية والعلمية والبشرية لابد ان تكون في مقدمة اهتمامنا.

فهل نأمل في ان تكون القمة الاقتصادية التي تم إقرارها من قبل ولم نستطع تحديد موعدها حتى الآن في مقدمة الخطوات المطلوب انجازها؟ آمل ذلك، وأرجو الكثير في كل المجالات، ولكن الأساس أن نتمسك بما تحقق من توافق بشأن لبنان في اجتماع القاهرة، وألا نعتبر ذلك مجرد «حادثة» أو«مفاجأة» بل أن تكون بداية نبذل كل الجهود للمحافظة عليها والبناء فوقها.

إننا نطالب الفرقاء في لبنان بالتوافق وبعضهم كانوا أطرافاً في حرب أهلية سالت فيها الدماء لخمس عشرة سنة، فهل كثير على من يتقدمون بهذا الطلب للبنانيين أن يحافظوا هم على توافقهم، وهم يعرفون أنه شرط البقاء وسط أمواج من المخاطر والتحديات تحاصرهم من كل مكان؟

مع كل الأمل في أن ينجح عمرو موسى في مهمته الصعبة في لبنان، وان ينجح الأشقاء في القطر الشقيق في الوصول إلى التوافق المنشود، وان يدركوا أنهم بهذا لا ينقذون فقط لبنان من أزمته التي يعرفون مقدار خطورتها، ولكنهم أيضا سيقدمون الدليل على أن الحل العربي ممكن، وان التوافق العربي ضرورة تحتاج من الجميع ـ واللبنانيون في المقدمة ـ لبذل الجهد وتقديم التضحيات، وإلا فسيدفع الجميع الثمن!!

كاتب صحافي ــ مصري