أعادت الإدارة الأميركية فتح ملف إيران النووي فاسحة المجال لشهية المحللين ووسائل الإعلام الدولية لتبدي وجهات نظرها وتتكهن بالسيناريوهات المحتملة التي يمكن ان تقدم عليها الولايات المتحدة في مواجهة هذا الملف الشائك.
كل مرة نسمع الحديث عن قرب ضرب إيران وعن مساعٍ أوروبية وغير أوروبية تبذل علنا وسرا لإمكانية إقناع إيران بالعدول عن مشاريعها النووية التي تثير قلق المجتمع الدولي برمته بينما إيران غير آبهة لهذا القلق الدولي بل تصر على إنهاء مشروعها الذي تقول عنه انه مشروع سلمي لا يشكل خطرا على المجتمع الدولي.
وقد أقرت الإدارة الأميركية فعلا ان إيران أوقفت منذ عام 2003 برامجها النووية العسكرية ولكن ما يبقي هذا القلق هو احتمال أن تقرر إيران يوما ما ،بعد أن تتمكن من تنفيذ برامجها النووية «السلمية»، تحويل مشاريعها إلى مشاريع نووية عسكرية وذات الإجراء كانتا باكستان والهند اتبعتاه واضعين العالم أمام الأمر الواقع وتمكنا ،بعدها، من دخول النادي النووي والجلوس إلى صف الدول النووية رغما عن أنف هذه القوى وربما هذا ما تخشاه الولايات المتحدة الأميركية من أن يأتي يوما تجلس فيه إيران إلى جنبها في هذا النادي.
ومع ذلك كله، فالوضع مع إيران ليس كالوضع مع باكستان والهند، فإيران حالة خاصة في التصور الأميركي، فهي أولا، دولة مارقة وراعية للإرهاب الدولي من جهة، ودولة تحمل عداء دفينا لإسرائيل من جهة أخرى، وإسرائيل هذه لا يغمض لها جفن و باتت ترى في إيران الخطر الوحيد على وجودها بعد أن زال الخطر العراقي عليها.
وهي تصر إصرارا شديدا على وجوب إيقاف إيران عند حدها ولو لزم الأمر استخدام القوة في حال باءت المفاوضات مع إيران بالفشل، والأكيد ستفشل المفاوضات بل إنها فشلت لأنه لا يعقل أن تقرر إيران وقف مشاريعها وتقبل المطالب الدولية بعد أن صرفت الكثير على مفاعلاتها، كما أن قبولها إيقاف مشاريعها النووية سوف يحجم قدراتها ويقضي على مشاريعها الإقليمية التي تحلم بإنجازها وهي أن تشرف يوما على الإدارة الإقليمية لمنطقة الخليج العربية وتكون محورها.
ويبقى أن استعمال القوة يحتاج لحسابات استراتيجية معقدة، ولو افترضنا أن الإدارة الأميركية سوف ترغم إيران على إيقاف مشاريعها حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة، فإن اللجوء إلى هذا السيناريو كخيار أخير لا مفر منه يتطلب إيضاح حقيقتين أولاهما أن إيران تمكنت منذ نجاح الثورة عام 1979 من بناء مؤسسات حديدية ترعاها المؤسسة الدينية وتسير وفق سياسات ممنهجة هدفها إحياء الروح القومية والدينية في الأمة الإيرانية وتحويلها في مرحلة ثانية الى أمة محورية في النظام الإقليمي، وثانيهما أن المؤسسة الدينية باتت على قناعة ان إنجاح مشروعها القومي والديني انما يستدعي الاستحواذ على وسائل الردع ويتحقق لها ذلك من خلال الظفر بالورقة النووية.
فالسلاح النووي ورقة مهمة في لعبة التوازنات الدولية والإقليمية وتعرف الإدارة الأميركية ومعها إسرائيل أن إيران لن توظف ورقة السلاح النووي في ضرب إسرائيل او أهداف أميركية في المنطقة وإنما توظفها كأداة ضغط سياسي للاستحواذ على المكانة التي تريدها في النظام الدولي، وعبرت إيران عن ذلك صراحة بلسان الرئيس الإيراني الذي يصرح كل مرة وهو يبتسم لوسائل الإعلام ان إيران أصبحت دولة نووية ويقصد انها تحولت الى قوة محورية يجب ان يحسب لها الحساب في الإدارة الدولية.
فلا يمكن أن نتصور أن إيران سوف تتراجع عن مشاريعها ولا يمكن أن نتصور أن الولايات المتحدة أو إسرائيل سوف يتراجعان عن ضغوطهما ولكن للصبر حدود كما يقال، والأكيد أن اللجوء إلى القوة يتوقف على المرحلة التي وصلت إليها المشاريع الإيرانية، فإذا اشتمت الولايات المتحدة وإسرائيل أن إيران تجاوزت الخطوط الحمر عندها لن تنفع المفاوضات ولكن برأينا الوقت لم يحن بعد لدق طبول الحرب طالما أن برامج الإدارة الأميركية في آخر سنة من عمرها مثقلة بملفات عليها إنجازها قبل الرحيل.
كاتب جزائري