أعرف منذ البداية أن للسياسيين ضرورات ومناورات ولديهم الكثير من السلطات ويملكون حق إصدار القرارات، ومنصات عالية لإلقاء الخطابات والمحاضرات، وأن للشعوب خيارات وإرادات، لا تختار إلا الحق والعدل والحرية وحين يزداد الظلم عليها تعبر عن إرادتها بالخروج في المظاهرات والمقاومة بالانتفاضات والثورات، لكن الإعلاميين لا يملكون حق الصمت عن المظالم والتناقضات، وليس لديهم سوى الكلمات.
ولأننا مللنا من توجيه الكلمات والمقالات بغير صدى لدى صناع السياسة، وسئمنا من سماع الكثير من الوعود بغير تنفيذ، والكثير من الخطابات بغير تطبيق، وتابعنا الكثير من المحاضرات بغير نهاية للاحتلالات، ولا للحروب والصراعات، ولا للمظالم والتناقضات ولا نملك سوى التساؤلات.
ولأن الإعلام ليس من مهمته الصمت بينما يحاسبه ضمير يذكِر، ويزعجه بالتساؤلات عقل يفكر، رأيت من واجبي أن اسمح لنفسي بطرح عدد من التساؤلات كنوع من التفكير بصوت عال، لعل الرئيس الأميركي جورج بوش الذي أعارض مجمل سياساته، و لاتقنعني معظم تصريحاته، ولا أثق في نصف خطاباته يكون لديه جواب.
لكنى مع ذلك أحترم القيم الديمقراطية الحقيقية التي تعلي إرادة الشعوب على إرادات الساسة وأصحاب المصالح في إشعال الحروب الدولية، وأحترم قيم العدالة والحرية والحقوق الإنسانية التي يؤمن بها الشعب الأميركي، بينما تتناقض الإدارة الأميركية بسياساتها وحروبها العدوانية على حرية وحقوق الشعوب مع تلك القيم والمبادئ الأخلاقية النبيلة، و لهذا لا أثق كثيرا في السياسة الأميركية ولا في الوعود الأميركية، وأتشكك كثيرا في المصداقية الأميركية لثبوت كذب الاتهامات والمزاعم والادعاءات الأميركية خصوصا ضد الدول العربية والإسلامية.
ولهذا أيضا أتعاطف أكثر مع الشعب الأميركي الذي اعترض على حروب رئيسه العبثية، وعارض مغامراته العسكرية، وسحب ثقته في سياساته الدولية، ليس لخسارته العسكرية أو السياسية، بل لخسارتها الأكبر للمسؤولية الأخلاقية للدولة العظمى الأولى بما أضرت كثيرا بالمصداقية الأميركية، وأساءت للصورة الباهرة للولايات المتحدة.
ولأني لم أعرف الرئيس جورج بوش إلا رئيسا لأعظم بلاد الدنيا قوة وغنى، ولأكثر شعوب العالم دفاعا عن الحرية والعدالة والديمقراطية والحقوق الإنسانية، ولم أعرفه مفكرا ولا أكاديميا أو محاضرا، فسوف أستمع إلى «المحاضرة» التي سيلقيها علينا اليوم أو غدا في زيارته التاريخية لدولة لإمارات العربية باهتمام.
وأسمح لنفسي كمواطن عربي وككاتب صحافي أن أطرح عليه التساؤلات التالية عسى أن تنجح نتائج جولته الشرق أوسطية، أو محاضرته السياسية في تقديم إجابة موضوعية وذات مصداقية، استنادا إلى المبادئ الأخلاقية والقواعد المنطقية للحقوق الإنسانية.
كيف يستقيم إنسانيا وأخلاقيا أن يدفع الشعب الفلسطيني بمسيحييه ومسلميه ثمن جرائم حرب نازية أوروبية لم يرتكبها، ولا كانت جرائم عربية ولا إسلامية؟
كيف يسمح لغير الفلسطينيين من اليهود بالهجرة من أوطانهم الأصلية إلى فلسطين بينما يحرم أبناء فلسطين من اللاجئين من حق العودة إلى وطنهم الأصلي؟
كيف تعلنون حربا على الإرهاب وأنتم تحتلون العراق بالعدوان، وتنحازون إلى الصهاينة الذين يحتلون فلسطين بالعدوان، وتمارسون معا جرائم حرب ضد الشعبين الفلسطيني والعراقي.. أوليس الاحتلال إرهابا.. بل ألا تراه مبادئ حقوق الإنسان أعلى مراحل الإرهاب؟
لا احتلال كفعل عدواني مهاجم بلا مقاومة كرد فعل إنساني مدافع..وإذا كنتم تقلبون القواعد وتصفون المقاومة الوطنية للاحتلال بالإرهاب، وتشترطون في خارطة الطريق وقف الإرهاب.. فلماذا تصرون على وضع العربة أمام الحصان.. أليس الأجدى والمنطقي هو إنهاء الاحتلال غير المشروع كفعل أولا، لإنهاء المقاومة الوطنية المشروعة أي ما تسمونه بالإرهاب كرد فعل ثانيا؟
كيف يستقيم أن تضمنوا أمن دولة يهودية تقوم على أسس دينية وعنصرية، بينما تهددون أمن أي دولة تعلن أنها إسلامية بحجة أنها دولة دينية تخالف مبادئ الديمقراطية والدولة المدنية ؟
.. وتتوالى التساؤلات باحثة عن الإجابات.!