في زيارة توديعية هي أشبه ما تكون باحتفالية نهاية العهد لربان سفينة تشرف على الغرق وغادرها أكثر ملاحيها الأساسيين طلبا للنجاة منفردين بل وحتى «ملاحوها» الذين عملوا معه بجد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في إطار مهمة «تحسين الصورة» وتنقيتها من سوءات الحالمين بالعصر الإمبراطوري، عدا واحدة هي اقرب للملاحين منها للملاحات اعني الآنسة كوندوليزا رايس، يقوم الرئيس بوش بآخر استعراض لعضلات قوة الدولة الأعظم في العالم.
وذلك في إطار جولة شرق أوسطية بدأت قبل أيام و ها هي تشرف في هذه اللحظة على نهاياتها دون تحقيق أي من أهدافها المعلنة سوى استعراض القوة الأخير، الذي قد يشبه في احد أبعاده لوحة العشاء الأخير!
ولما كان المعروف أن «الملاحة» الأكثر ثقة بالنفس من سائر الملاحين الذين غادروا السفينة المنخورة هي صاحبة فكرة أنابوليس الشهيرة فإنها كانت هي الأخرى صاحبة فكرة استكمال مهرجان «الصورة الوداعية» من خلال إضافة البعد الأكثر إثارة في اللوحة ألا وهو «احتواء النفوذ الإيراني»!
فكانت الجولة التي بدأت كما هو معروف بحكاية استفزاز ثلاثة من قوارب الحرس الثوري الإيراني لسفن حربية أميركية تمخر عباب مضيق هرمز. لتنجح الملاحة التي غلبت ديك تشيني في الإستراتيجية كما في التكتيك!
ليس المهم التوقف كثيراً عند نقطة «من استفز من ؟» برأيي ونحن نقرأ حادثة تصعيد الموقف بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز بقدر ما هو مهم أن نقرأ صحيحا وبدقة الأجواء التي جعلت هذا الاستفزاز يأخذ المعاني الذي أرادت كوندوليزا رايس أن يأخذه وهي تقوم بمهمة الانتقال من معادلة الخيار العسكري إلى معادلة الخيار التفاوضي مع طهران!
واليكم الصورة التي نتصورها نحن أصحاب الإقليم وأهل المنطقة والتي نعتقد أنها اقرب إلى ملامسة الواقع من تلك التي حاولت أميركا أن ترسمها في وسائل الإعلام الغربي المضللة:
إن بوش الذي يزور المنطقة منكسرا في كل الملفات من العراق إلى لبنان إلى أفغانستان إلى باكستان إلى فلسطين التي لم تستطع الملاحة الماهرة كوندوليزا رايس أن تحفظ له سوى بعض ماء وجهه في أنابوليس بسبب تعنت إسرائيل.
ودعم ديك تشيني الذي يشعر انه خسر كافة الرهانات حتى الداخلية، كان بحاجة إلى أن يظهر بالقفاز الحديدي إلى جانب القفاز الحريري الذي تحاول رايس أن تبقيه غالبا من اجل النجاح في مهمة تحشيد من تسميهم الإدارة الأميركية بمعسكر الاعتدال العربي. ولما كان من جملة أهداف الجولة إرسال إشارة حازمة لطهران بان الشق الثاني من الزيارة أي احتواء ما سمي بالنفوذ الإيراني ليس اقل أهمية من تحقيق «السلام الشرق أوسطي»، فقد كان يتوجب على آلته الدعائية أن تفتعل ضجة إعلامية ما وهل غير مضيق هرمز يصلح لكل ما سبق من أهداف لترميم الصورة العامة؟!
فمن جهة طهران لم يكن هناك أي جديد على الإطلاق كما ذكرت بياناتها الرسمية، فهي «كانت وستظل تقوم بمهمة مراقبة حركة السفن الحربية الأميركية الداخلة إلى حوض الخليج بصورة لا مشروعة حسب قوانين البحار الدولية» كل ما هنالك أنها قد تكون تشددت بعض الشيء هذه المرة لتقول للأميركيين بان «نظام الهدهد» الذي اخترعته حديثا لرصد حركة السفن في المنطقة يعمل جيداً جداً وقادر على عد أنفاسهم!
فكانت الضجة، وكان الإنذار وكان التهديد والوعيد وكانت حركة الدعاية وماكينة الحرب النفسية المطلوبة لتأمين الشق الخاص بالإيحاء بان زيارة الرئيس المنهك القوى في أكثر من ساحة إقليمية قادر على احتواء إيران فعلا متى شاء! مع ما يحمل ذلك من معان إضافية تفيد فيما تفيد برد بعض الاعتبار والوجاهة للرجل الحديدي الذي خسر الرهان أمام الآنسة ذات القفازات «الحريرية» أي السيد ديك تشيني!
والضجة والتهديد والوعيد.. مطلوبة أيضا كما هو معلوم ليس فقط لتكثيف الضغوط على الأصدقاء والحلفاء من اجل الاستمرار في جهود التحشيد السلبي ضد «الشر» المستطير الكامن في طهران رغم تقرير المخابرات الأميركية الأخير!
«فمن يوقف مساعي التسلح النووي في العام 2003 يمكن له أن يعاود مساعيه مجددا إذا توقفت الضغوط. كما ردد بوش مؤخرا بالتنسيق مع ماكينة الدعاية الصهيونية التي ترافق جولته الحالية بالتركيز على الشق الإيراني منها حتى تتمكن من تخفيف الضغوط الدولية عليها بخصوص تملصها حتى من توصيات أنابوليس التي هي لا شيء يذكر بالنسبة للعرب فضلا عن الفلسطينيين، بل وفي عسكرة الفضاءات الكلية في الإقليم لعل ذلك ينفع في تحقيق المزيد من صفقات التسلح على دول المنطقة!
لكن بوش المكابر والمتحايل على توصيات لجنة بيكر ـ هاميلتون والعارف أكثر من غيره بأنه اعجز من أي وقت مضى عن ممارسة الضغط على طهران ناهيك عن اللجوء إلى الخيار العسكري ضدها في ظل رفض قاطع من قبل دول المنطقة لتغطية أي حرب جديدة، يأمل في الواقع من وراء كل ذلك أن يخرج من جولته الحالية والتي قد تكون أشبه «بالعشاء الأخير».
كما قلنا و قبل دخوله في الكوما الانتخابية.. ولو ببعض الصور التذكارية التي تذكره بعضلاته التي كانت تخيف فعلا وترهب حقا بعض المذعورين وبقايا عهد الاستبداد في المنطقة أيام كان العالم يريد تغطية حملة التخلص من نظام صدام حسين.
غير أن هذه الصورة قد تفيد هنا صاحبة مشروع أنابوليس والجولة الراهنة الآنسة رايس أيضا التي تحاول أن تظلل محادثات بغداد الأميركية ـ الإيرانية المؤجلة بضجة بوارج مضيق هرمز، بعد أن تلقت أكثر من إشارة من طهران بوجود برودة متناهية في تلبية الدعوة للجولة الرابعة و بأنها «عايزة ومستغناية» كما يقول المثل وإنها «هي أي طهران من يضع الشروط لمثل هذه المحادثات وليس واشنطن إذا كان لابد من شروط» كما قال السيد متقي مؤخرا ردا على تصريحات رايس التي قالت فيها إنها «مستعدة لزيارة طهران وانه لا عداوات دائمة بين الدول شرط أن توقف طهران التخصيب»!
إذن ليس هناك جديد في عالم عرض العضلات الأميركي المتواصل بقدر ما هو دق لبعض المسامير الحديدية على كعبي «خفي حنين» التي سيعود بهما بوش من جولته الراهنة تماما كما كانت الحال مع مظاهرة أنابوليس الفاشلة.
وذلك إرضاء لكبريائه ومكابرته أكثر من أي شيء آخر!عدا إضافة جديدة واحدة قد تكون من «نعم الله» الكثيرة التي تتدفق في هذه الأيام على الرئيس الإيراني احمدي نجاد على ما يبدو دعما لنظرية «الدعم الإلهي» التي بز بها نظيره الأميركي، وذلك بتصادف تحطم طائرتي اف 18 فوق مياه الخليج في هذا التوقيت بالذات دون إطلاق رصاصة إيرانية واحدة!
كاتب إيراني