مشكلة واحدة ترتبط بزيارات الرؤساء الأميركيين للمنطقة، هي أنهم يأتون وهم يستعدون لمغادرة البيت الأبيض.
هكذا جاء ريتشارد نيكسون عام 1974 وهو غارق حتى أذنيه في واحدة من أكبر الفضائح السياسية الأميركية هي «فضيحة ووترغيت»، قبل أن يترك البيت الأبيض لنائبه جيرالد فورد في العام نفسه.
ورغم أنه جاء في ذروة الاستعداد لنصر عسكري سيتم إحرازه عبر إخراج القوات العراقية من الكويت مطلع عام 1991، فإن هذا النصر لم يشفع لجورج بوش الأب الذي زار السعودية عام 1990 قبل قليل من اندلاع الحرب في يناير 1991.
كانت الزيارة والحرب التي تلتها قد جرت قبل عام واحد فقط من الانتخابات الرئاسية الأميركية التي خذل فيها الناخبون الأميركيون جورج بوش الأب وخرج من البيت الأبيض عام 1992.
ربما يكون الاستثناء الوحيد هو بيل كلينتون الذي زار المنطقة بل وذهب إلى دمشق للقاء الرئيس السوري حافظ الأسد عام 1998، لكن دون جدوى. فمن الصعب القول إن تلك الزيارة أفرزت نتائج ان على صعيد التقدم في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل أو على المسار الفلسطيني.
وقبل تلك الزيارة، كان كلينتون قد حضر احتفال التوقيع على اتفاق السلام بين الأردن وإسرائيل في وادي عربة، لكنه كان مجرد احتفال وكان كلينتون الذي سيخوض الانتخابات مجدداً عام 1996 حريصاً على عدم إثارة الإسرائيليين بأي طلب يمكن أن يفسر على انه نوع من الضغط على إسرائيل.
ولدى انتخابه مجدداً في العام 1996، سرت موجة من التفاؤل بأنه سيجترح خطوة تاريخية في الصراع العربي الإسرائيلي كي يخلده التاريخ طالما أن رئاسته ستنتهي في كل الأحوال.
هكذا، دعا إلى مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، وذهب الراحل ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق ايهود باراك ولم تحدث المعجزة.
إنه نفس المسار ونفس السيناريو الذي فصلت بعض خطوطه العريضة فيما يستعد جورج بوش الابن لمغادرة البيت الأبيض نهاية هذا العام، فما الذي يمكن أن يجترحه واحد من أكثر الرؤساء الأميركيين الذين لا يحظون لا بتعاطف ولا بترحيب في هذه المنطقة؟
يأتي بوش الابن إلى المنطقة ولديه ميراث ثقيل وكبير لا يلقي بكاهله على المنطقة فحسب بل على خليفته في البيت الأبيض أياً كان، ديمقراطياً أم جمهورياً. انها التركة التاريخية نفسها التي لا فكاك منها: الصراع العربي الإسرائيلي.
لقد بدأ بوش خطواته لحل هذا الصراع منذ مؤتمر «انابوليس» في نوفمبر الماضي. ولم يسفر هذا المؤتمر سوى عن تعهد غامض لقيام دولة فلسطينية مع نهاية العام 2008. وها هو يعلن في القدس المحتلة أمس عن تعيين مساعد رئيس الأركان الأميركي الجنرال وليام فريزر «مشرفاً على تطبيق خارطة الطريق».
بل ويذهب ابعد من ذلك مع بعض التصريحات غير المسبوقة عندما أعلن أن «أي اتفاق للسلام: «يجب أن يقيم وطناً للشعب الفلسطيني مثلما هي إسرائيل وطن للشعب اليهودي». بل ويزيد بالقول إن «أي اتفاق يجب أن ينص على إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967» وأكثر من هذا «عرض آلية دولية لتقديم تعويضات للاجئين الفلسطينيين». (وكالة الصحافة الفرنسية - 10 يناير).
ولتأكيد الجدية على ما يبدو، فإن مستشار الأمن القومي الأميركي ستيفن هادلي يعلن أيضاً أن الرئيس سيعود إلى الشرق الأوسط مرة واحدة على الأقل لتشجيع التوصل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين قبيل مغادرته البيت الأبيض مطلع العام 2009.
هل نحن على أعتاب اختراق تاريخي؟ ربما توحي هذه التصريحات التي أدلى بها الرئيس بوش بذلك، فهي من أكثر التصريحات وضوحاً لأي مسؤول أو رئيس أميركي، وتبدو وكأنها تحدد خطوط الحل المطلوب أميركياً على الأقل. عدا انه فيها ما يدعو للقلق أيضاً حيال قضية شائكة معلقة هي قضية اللاجئين.
فالإشارة إلى «آلية التعويضات» المقترحة للاجئين الفلسطينيين والتأكيد على أن إسرائيل «هي وطن الشعب اليهودي» إنما يعني أن اللاجئين الفلسطينيين في حال عودتهم فإنهم لن يعودوا إلى الأراضي المحتلة عام 1948 بل إلى الدولة الفلسطينية، ومن لا يرغب في العودة سيتم تعويضه. انه نفس الموقف الإسرائيلي الذي أعلن منذ أعوام واسهم في فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية عام 2000 قبل أن تنفجر الانتفاضة الثانية.
هذه إحدى قضايا المفاوضات النهائية الشائكة التي يمكن أن تهددها بالفشل إذا لم ننس القدس وحدود الدولة الفلسطينية، والأمر لا يتعلق بالنوايا الأميركية بقدر ما يتعلق بالإسرائيليين. فإلى أي مدى تستطيع إدارة بوش الراحلة الضغط على إسرائيل لكي تستجيب للاستحقاقات المتوجبة عليها؟
انه أمر تحيط به الشكوك دوماً، وما بين هامش العناد الإسرائيلي والضغط الأميركي «المفترض»، ستتاح مساحة من المناورة للخصوم في كلا المعسكرين: الإسرائيلي والفلسطيني أيضاً. لكن لا تنسوا ثمة لاعبين آخرين: سوريا، إيران.
على نحو ما فإن الزمن يبدو استعادة تاريخية لما جرى عام 1990. فمن اجل إخراج القوات العراقية من الكويت وضرب العراق وحصاره تالياً، كان يتعين أن يكون هناك ثمن أو مقابل لهذا كله.
على هذا النحو أطلقت الولايات المتحدة مؤتمر مدريد للسلام وقام جورج بوش الأب بخطوة غير مسبوقة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية عندما قام بتجميد ضمانات القروض لإسرائيل والبالغة 10 مليارات دولار للضغط على البغل العنيد اسحق شامير للدخول في المفاوضات.
السؤال الآن: هل يكون قيام الدولة الفلسطينية هو الاستحقاق المتوجب على الولايات المتحدة لكي تكسب حلفاء مترددين حيال حرب جديدة في منطقة الخليج لضرب إيران؟
كاتب بحريني
