أزمة النزوح والهجرة، في العراق، تقرع ناقوس الخطر. آخر الأرقام يهدد بتحولها إلى كارثة إنسانية؛ حسب منظمة الهجرة الدولية. فقد تشعبت وأدت إلى تفريخ أزمات معيشية وصحية وتربوية متفاقمة؛ تنذر بعواقب مخيفة، اجتماعياً ووطنياً.

منذ فترة وهي تكبر وتتعقد؛ في الداخل، كما في الخارج المجاور، سيرتها تغيب عن الشاشة ولا تطل إلا بين الفينة والأخرى، بحكم تسارع وتزاحم التطورات الأمنية والسياسية، لكنها، في الواقع، لم تبارح المشهد العراقي النازف، صارت جزءاً من لوحته المأساوية. بل هي تعمقت وأخذت أبعاداً أكثر حدة وخطورة.

جيل من العراقيين بات مهدداً، ليس بمستقبله فقط، بل حتى بوجوده. تقرير المنظمة يشير إلى أن 22% فقط من النازحين داخل العراق ـ وعددهم يربو على 4,2 مليون نسمة ـ يحصلون على حاجاتهم الغذائية بصورة منتظمة. واحد من ثلاثة يحصل على الأدوية. ونفس النسبة تقريباً، ممتلكاتهم مصادرة ومحتلة من الغير.

أعداد المشردين متزايدة، فأكثر من مليوني عراقي يعيشون كلاجئين في بلدان الجوار وغيرها، وفي إحصائيات أخرى أن مئات الآلاف من الطلاب ومن في أعمارهم؛ بلا مدارس. وقبل أيام أطلقت مجموعة من الفنانين بالاشتراك مع الجامعة العربية حملة لجمع الأموال اللازمة لتأمين الدراسة والمدارس لهم.

المشهد قاتم. وما تردد عن عودة العديد من العراقيين إلى البلد، في ضوء التحسن الأمني مؤخراً؛ لم يكن بالحجم الذي يساهم في التخفيف من الأزمة ـ المأساة، حسب التقرير، أن عدد العائدين إلى بغداد لا يزيد على 8% من جملة الذين نزحوا عنها، والنسبة ليست بأكثر في المناطق الأخرى.

الخلاصة أن هناك مشروع نكبة، قيد الصيرورة؛ في العراق. نكبة تتجاوز، بما لا يقاس، في أبعادها وذيولها؛ بقية المشكلات والمعضلات الأمنية والسياسية والاقتصادية، التي تعاني منها أرض الرافدين. فهي الأخطر، على المدى المنظور وأيضاً البعيد.

الأوضاع الأمنية والاقتصادية، من الميسور معالجتها متى توفرت الحلول السياسية وتحققت المصالحة الوطنية. لكن الأمر ليس كذلك، إذا ما بقيت أزمة النزوح واللاجئين تتفاقم وتتسبب بإنتاج جيل ينهشه التشرد وتسكنه الأمية. فذلك يلزمه دهر.

ولعلّ وصول المشكلة إلى هذا الحد يعيد تسليط الأضواء على جذورها، بما هي نتاج لاستفحال الأزمة السياسية، في العراق. صحيح أن النزوح والتهجير واللجوء، كله من النتائج المباشرة لتدهور الوضع الأمني. لكن هذا الأخير لم يكن ليصل إلى هذه التخوم وإشعال نار الفتنة المختلفة؛ لو كان الوضع السياسي قد استعاد بعض عافيته، فهنا تكمن العلة.

الأحوال الأمنية سجّلت خطوات إيجابية ملحوظة، في الآونة الأخيرة، بالقياس مع السابق؛ ولو أن بعض التدهور عاد إلى الساحة في الأسبوع الماضي. مع ذلك بقيت مشكلة النزوح على حالها، بل على تفاقمها.

الاستقرار النسبي لم يترجم نفسه على صعيد عودة الثقة. ويعزى ذلك إلى مراوحة الأزمة السياسية مكانها، بل هي شهدت المزيد من التأزيم في الأشهر الأخيرة. الخطوات الحكومية والدستورية والقانونية، التي كان من المفترض حصولها؛ تعثرت وانسدت الطرق أمامها، المصالحة الوطنية التي طال انتظارها، تبدو في أحسن أحوالها؛ خارج شاشة الرادار الوطني. كل محطات وجوانب وإفرازات الأزمة العراقية، ومنها النزوح، تؤكد أنه من دون تحقيق هذا الشرط الجوهري يبقى كل شيء في العراق في مهب الريح.