لن يكون مفاجئا بالنسبة الينا، والكثير من المراقبين، اذا ما قام الرئيس الاميركي جورج بوش بالتسلل خلسة الى العراق، اثناء جولته الحالية، للالتقاء بجنوده البالغ عددهم مئة وسبعين الف جندي، ومصافحة رئيس الوزراء نوري المالكي، وحلفائه الجدد من قادة قوات الصحوة العشائرية التي تمولها وتسلحها وتدربها ادارته.
الرئيس بوش ربما يريد من خلال هذه الزيارة التأكيد على ان حربه في العراق بدأت تحقق بعض التقدم بعد تسريب العديد من التقارير عن تحسن الاوضاع الامنية في العاصمة بغداد، وبدء بعض الاسر العراقية التي فرت الى دول الجوار، وسورية على وجه التحديد، في العودة مجددا، بل ان بعض هذه التقارير اشار الى عودة بعض الاندية الليلية الى فتح ابوابها امام الزبائن مجددا.
الرسالة الرئاسية الاميركية من هذه الزيارة واضحة المعاني: الموقف يتحسن، والجنرال بترايوس قائد القوات الاميركية في العراق صاحب خطة سيرج او زيادة عدد القوات في بغداد، يستحق التهنئة على انجازاته هذه، وابرزها اضعاف وجود تنظيم القاعدة ، وانهاء سيطرته على بعض احياء العاصمة بغداد، والأعظمية على وجه الخصوص، من خلال تأليب السنة عليه، وتشكيل قوات الصحوة العشائرية لمطاردته والقضاء عليه.
هناك بعض جوانب الصحة في هذا التقييم فالاوضاع الامنية باتت افضل في بعض مناطق العاصمة العراقية، ولكنها ليست كذلك في باقي مناطق العراق الاخرى، وخاصة في الاطراف، وما حدث ان تنظيم القاعدة وفصائل المقاومة الاخرى سحبت عناصرها من العاصمة، او بعضها، في خطوة تكتيكية، وعلى امل العودة بعد فترة لاحقة تتغير فيها الظروف، وتتهيأ اجواء اكثر ملاءمة.
العراقيون يعودون من سورية الى بيوتهم في العاصمة واطرافها ليس بسبب التحسن الامني الطفيف فقط وانما لاسباب عديدة، مجتمعة او متفرقة، من بينها انعدام فرص العمل، وغلاء المعيشة، وعدم السماح لهم بالاقامة لفترة طويلة، وارتفاع معدلات الجريمة والانحراف. وقد تحدثت وكالات الانباء بشكل مفصل ومرعب عن لجوء بعض الفتيات العراقيات الى العمل في الملاهي الليلية من اجل توفير لقمة العيش لاسرهن في المنفي السوري.
بعد خمس سنوات من احتلال العراق من المفترض ان يزوره الرئيس الاميركي المحرر من اوسع ابوابه، وليس متسللا ومتنكرا. ومن المفترض ان يصطف العراقيون على طول الطريق من المطار حتى قصر الضيافة الذي سيقيم فيه اعترافا بجميله في تحرير بلادهم، واعادة الامن والاستقرار والرخاء اليها بعد سنوات المعاناة على حد وصف الادارة الاميركية.
الرئيس الاميركي بات مسكونا بالعراق وايران ومنطقة الشرق الاوسط بشكل عام، فهو مثل المجرم الذي يظل يحوم حول مسرح الجريمة، وهذا ما يفسر احتلال المنطقة المكانة الابرز على صعيد جولات المسؤولين الاميركيين الخارجية في السنوات السبع الماضية.
جولة الرئيس بوش هي جولة رئيس محبط فاشل خسر شعبيته، ودمر مصداقية ادارته، وربما الادارات المقبلة، بحروبه الخاسرة في منطقة هي الاكثر اضطرابا في العالم بأسره على مر التاريخ.
الخطأ الاكبر الذي وقع فيه الرئيس بوش هو رؤيته للمنطقة العربية من المنظور الاسرائيلي، ووقوعه اسير المخاوف الاسرائيلية التي لن تنتهي مطلقا. فقد خاض حربه ضد العراق بسبب المخاوف الامنية الاسرائيلية الى جانب النفط طبعا، ويستعد لخوض حربه المقبلة للاسباب نفسها، واذا كانت نتيجة حربه في العراق جاءت كارثية، فاننا لا نعتقد ان نتائج حربه الجديدة ضد ايران اذا ما اقدم عليها ستكون افضل حالا.
