تسببت زيارة الرئيس الاميركي الى المنطقة ، بحالة من التشاؤم الشديد ، اذ كشفت الادارة الامريكية ، عن مشروعها للدولة الفلسطينية ، كما تريده ، وكما تتصوره ، عبر قيام دولة فلسطينية ، وبقاء غالبية المستوطنات عمليا ، وانهاء حق العودة ، واعتبار اسرائيل دولة يهودية الهوية ، بما يعني ببساطة حتى تهديد فلسطينيي 1948 ووضعهم امام هجرة جديدة ، عبر ما يسمى التبادل السكاني.
مشروع التبادل السكاني ، سر يعرفه عدد محدود من الدبلوماسيين الغربيين ، ويقوم على اساس تحويل اسرائيل الى دولة يهودية بالكامل ، عبر الغاء حق العودة الى فلسطين 1948 ، وتهجير فلسطينيي 1948 الموجودين فعليا ، الى الضفة الغربية وغزة ، واعتبار الدولة الفلسطينية ، التي ستقوم في الضفة الغربية وغزة ، هي الوطن القومي للشعب الفلسطيني ، بحيث يكون حق العودة هنا متاحا الى الضفة وغزة فقط .
والتبادل السكاني هنا يعني خروج الفلسطينيين من الارض المحتلة عام ثمانية واربعين الى الضفة ، ونقل اليهود في الضفة الى مناطق الثمانية والاربعين ، وسماح اسرائيل لمليون فلسطيني بالعودة الى الضفة ، وتقييد بقية الاعداد ، ممن حملوا جنسيات عربية واجنبية ، ومع مشروع "التبادل السكاني" يتم تنفيذ مشروع لتبادل الاراضي ، بين الجانبين .
بحيث تمنح اسرائيل اراضي للشعب الفلسطيني - هي ارضه في الواقع - مقابل الاراضي التي اخذتها اسرائيل من الضفة الغربية ، على ان يتم دفع تعويضات مالية للفلسطينيين ، على اساس تجمع مالي دولي ، ودفع تعويضات لليهود العرب ، ستقدر قيمتها بمبالغ مالية هائلة ايضا ، عن ممتلكات هؤلاء وعن ما يسميه اليهود تشريدهم ومصادرة حقوقهم وتعذيبهم ، وغير ذلك من حكايات شايلوك اليهودي الذي سيقتطع من لحم الضحية لتعويض القاتل.
ان تصريحات الرئيس الاميركي ، خطيرة جدا ، وهي تكشف ملامح المشروع الاميركي - الاسرائيلي ، الذي لن يكون بمقدور السلطة الوطنية الفلسطينية ، ولا.. اي طرف فلسطيني او عربي ، الاقدام عليه او دعمه ، او توقيع اي ورقة في هذا الاطار ، فمن هو الذي سيكون قادرا ، على التنازل عن حق العودة ، ومن هو القادر على حرف حق العودة ، من مكانه الاصلي الى مكان بديل .
اي من فلسطين 1948 الى الضفة الغربية ، ومن يمتلك الحق اصلا ، في استحداث وطن صغير مقابل الوطن الكبير الذي ضاع ، ومن سيكون قادرا اصلا ، على التوقيع على شهادة وفاة القضية الفلسطينية ، وتصفيتها ، خصوصا ، انها تتعلق حتى بمصيبة جديدة ، ترتبط بيهودية اسرائيل .
وهو الذي يعني تطهيرا عرقيا ودينيا ، للفلسطينيين ، في اراضي الثمانية والاربعين ، ومن هو ذاك القادر تحت وطأة الشروط الاميركية والاسرائيلية ، وتحت وطأة اغراء "التفاحة المسمومة" اي الدولة الفلسطينية ، ان يتنازل عن قضية القدس بكل خصوصيتها ، وكونها تمس العرب والمسلمين ، مثلما تمس حياة الفلسطينيين ، باعتبارها مدينة مقدسة وذات مكانة سماوية ، لا يمتلك اي مفاوض او فلسطيني ، حق التصرف بها ، على اساس وطني ، دون تذكر اهميتها ومكانتها الدينية لدى العرب والمسلمين.
ان الاغلب ، ان تنهار عملية السلام ، خلال الشهور القليلة المقبلة ، ويبدو واضحا ، ان اسرائيل اليوم ، امام خيارين فقط ، الاول هو تنقية اسرائيل عرقيا ودينيا ، وتنفيذ المشروع سالف الذكر ، وهو الامر الذي لن تجد - اي اسرائيل - اي طرف فلسطيني قادرا عليه ، مهما بلغت به الصفاقة ، او انها ستلجأ الى عزل الضفة ومنع قيام دولة فلسطينية بتاتا ، واستمرار احتلال القدس ، والبحث عن مخرج سياسي وقانوني لتهجير فلسطينيي 48 خارج مناطقهم .
وعزل الجميع في "غيتو" ينفس فيه قادة اسرائيل عقدهم التاريخية ، التي تشكلت جراء نبذ اليهود في كل المجتمعات ، وعقيدة الانتقام العبراني ، وجدت في الشعب الفلسطيني ، ضحية مناسبة لتفريغ هذه العقد والامراض التاريخية ، التي تجعل من اليهودي ، كائنا اخر من يحب ويرحم ، فهو لا يجيد سوى القتل والانتقام.
