غداة الانتخابات الأولية في ولاية نيوهامشر والتي جاءت بفائزين مختلفين عن الفائزين في الانتخابات الأولية في آيوا التي «دشنت» الموسم الانتخابي الأميركي الطويل، السؤال المطروح هل ألغت نتائج نيوهامشر التي فاز فيها كل من هيلاري كلينتون عن الحزب الديمقراطي وجون ماكين عن الحزب الجمهوري الانطلاقة التي حققها كل من باراك أوباما الديمقراطي ومايك هاكابي الجمهوري الذي يجمع بينهما أنهما من خارج المؤسسة السياسية التقليدية الأميركية رغم أن الأول انتخب عضوا في مجلس الشيوخ عام 2004.
يرى أكثر المراقبين أن نتائج آيوا التي اعتبرت وكأنها زلزال أو هزة كانت بمثابة رسالة إنذار ومؤشر مهم حول مزاج الناخب الأميركي إلى أي حزب انتمى مع التذكير أن الحزبية الأميركية مرنة وشبه مفتوحة ومتحررة بشكل عام عن المفاهيم والرؤى العقائدية، ان ذلك الزلزال دل على وجود مزاج يتسم بالقلق والتعب وفقدان الثقة بالمؤسسة السياسية وللتذكير أيضا
فإن خمسة أشخاص مقابل واحد ممن هم دون الخمسة والثلاثين عاما كانوا مع أوباما في آيوا وان هاكابي وصفه البعض حينذاك بأنه قد يكون بمثابة جيمي كارتر الجمهوري الذي قد يأتي من آخر الصفوف ليحظى بالانتصار كما حصل مع كارتر عام 1976.
هاكابي وصفه أكثر من معلق انه مع الرأسمالية وضد الرأسماليين وانه كان أكثر من ادخل الدين في الانتخابات الرئاسية. خلاصة نتائج آيوا حول تفوق التغيير على الخبرة لم تلغيها نتائج نيوهامشر. فالرسالة كانت واضحة ودفعت بأكثر المرشحين في الحزبين إلى محاولة إعادة تصويب المسار ومن ابرز من قام بذلك هيلاري كلينتون التي أصرت بعد آيوا أنها مرشحة التغيير
إلى جانب الخبرة التي تمتلكها. جون ماكين نفسه الذي يلعب ورقة الخبرة بقوة بدأ يتحدث عن التغيير وعن ضرورته فالتغيير فرض نفسه شعارا على رحلة الانتخابات الطويلة التي قد تحسم فيما يتعلق باختيار مرشح كل من الحزبين يوم 5 فبراير وهو اليوم الذي يعرف بالثلاثاء الكبير إذ تجري الانتخابات الأولية فيه في 22 ولاية مما قد يحسم الأمر ويطلق المعركة الرئاسية غداة ذاك اليوم.
عدد من الملاحظات أو السمات تدل عليها أو تحملها الانتخابات الرئاسية التي ستتوج بانتخاب الرئيس يوم 4 نوفمبر القادم:
ـ منذ أكثر من ثمانين عاما لم تبدو اللعبة بهذا الشكل المفتوح والذي يتسم بسيولة كبيرة فيما يتعلق باختيار المرشحين النهائيين عن الحزبين.
ـ للمرة الأولى أيضا منذ ثمانين عاما لا يوجد بين المرشحين رئيس سابق أو نائب رئيس سابق مما يساهم في سيولة المعركة بشكل اكبر.
ـ لم يعد العراق الاهتمام الأول أو «الهم الأكبر» للناخبين ساهم في ذلك دون شك انخفاض مستوى العنف وكون الأزمة العراقية استقرت جزءا من المشهد السياسي العام وصارت شبه طبيعية رغم ما تحمله من مآس ومخاطر ورغم أن أكثر من ثلثي الأميركيين مازالوا يعتبرون أن غزو العراق كان خطأ. وحل الاقتصاد في طليعة مشاغل الأميركيين بعد أزمة قروض السكن التي طالت إحدى أسس «الحلم الأميركي»: اقتناء المنزل، وبعد أن وصلت نسبة البطالة في شهر ديسمبر إلى خمسة بالمئة من القوة العاملة.
ـ من الملاحظ في الشأن العراقي عدم وجود موقف حاسم باتجاه أو بآخر عند المرشحين الأساسيين في الحزبين. الديمقراطيون يريدون تخفيض القوات ولكن لا يعرفون كيف ويريدون إنهاء الحرب ولا يحملون الجواب على كيفية تحقيق ذلك. والجمهوريون يؤكدون على ضرورة تحقيق الاستقرار في العراق قبل تحقيق الانسحاب ولا يريدون التخلي عن بوش وانتقاده وفي الوقت ذاته يحاولون البقاء على مسافة سياسية منه.
مشكلة العراق عند كافة المرشحين أن الديمقراطيين لا يستطيعون الذهاب ابعد مما ذهبوا إليه في انتقاد السياسة الأميركية في العراق خوفا من اتهامهم بتهديد الأمن الأميركي عبر مواقف قد توصف بالمائعة واللينة في وقت يبقى الأمن هاجسا أساسيا بعد 11 سبتمبر،
والجمهوريون لا يستطيعون توظيف الورقة العراقية إلى درجة ابعد مما عليه الآن في المعركة الرئاسية بسبب كثرة الأخطاء التي حصلت والتراجع المستمر في الأهداف الأميركية في العراق وعبر العراق مما خلق حالة من التفاهم الصامت حول العراق: تفاهم لا يمنع حدوث ما هو حاصل من خلافات وتبادل اتهامات دون أن يتخطى هذا الوضع سقفا معينا.
- نقطة اختلاف أساسية تتعلق بأولوية محاربة الإرهاب. الديمقراطيون يدعون لإعادة تركيز الاهتمام وتوظيف مجمل القدرات في الملف الأفغاني، فيما الجمهوريون يعتبرون أن الأولوية يجب أن تبقى في الملف العراقي.
ـ يتفق الديمقراطيون ولو بدرجات مختلفة بين المرشحين الثلاثة على ضرورة إعطاء الأولوية للدبلوماسية أو ما يعرف بالانخراط في التحدث مع إيران دون شروط مسبقة من جهة ودون إلغاء الخيارات الأخرى: خيارات العصا من جهة ثانية،
في حين يتسم موقف الجمهوريين بشكل عام بالتركيز على العصا أكثر من الانخراط المباشر مع الإيرانيين أو الدعوة إلى انخراط مشروط، وسبب ذلك أساسه الحذر من الوقوع في موقف متناقض مع سياسة الإدارة الجمهورية. موقف يؤدي إلى مزيد من البلبلة ومزيد من إضعاف الإدارة في هذا الملف وبالتالي إضعاف حظ الجمهوريين في انتزاع الرئاسة.
ـ يبدو أن العراق قد احدث «صدمة ايجابية» في المؤسسة السياسية الأميركية إذ اظهر كم أن العالم هو أكثر تعقيدا عند التعامل مع مختلف ملفاته وكم أن الوصفات الجاهزة والسهلة نظريا من الصعب تطبيقها في بيئة مختلفة
وتخضع لديناميات سياسية وغيرها لا تستطيع القوة العسكرية الأميركية «الأحادية» إخضاعها أو السيطرة عليها مما فتح الباب أمام العودة إلى الواقعية السياسية ولو في صيغ أو درجات مختلفة على مستوى الخطاب السياسي عند مجمل المرشحين بعد غياب لهذا الخطاب خاصة في أوساط الجمهوريين.
ـ تبقى مقاربة النزاع العربي الإسرائيلي دائما من بوابة خاصية إسرائيل كمسألة داخلية أميركية تحكمها العديد من «المحرمات»، وليس كمسألة خارجية مما يخلق حالة من الاستمرارية والإجماع حول الأساسيات مع تمايزات صغيرة وطفيفة لكن قد يخاف أي من المرشحين الخروج عن هذه الاجماعات والمحرمات التي قد تعرضه للانتحار السياسي على الأقل في المرحلة الانتخابية.
ـ تبقى الهجرة احد الملفات الساخنة في الانتخابات الرئاسية ويحكم الموقف تجاهها عناصر عدة متناقضة منها نسبة البطالة التي تدفع لتوجيه أصابع الاتهام نحو الهجرة السرية متهمة إياها بسرقة العمل وتؤدي إلى نوع من الفوبيا تجاه هذه الهجرة،
ومنها الصوت الانتخابي ووزنه المتزايد للجالية المكسيكية وغيرها في المناطق الجنوبية وضرورة مسايرة هذا الصوت عبر سياسيات مرنة ومتغاضية بعض الشيء بشأن الهجرة السرية أو اللاشرعية ثم هنالك عنصر اقتصادي حيث تحتاج بعض القطاعات الصناعية المؤيدة للحزب الجمهوري عادة لعمالة رخيصة، في السر، لا يوفرها إلا هذا النوع من الهجرة.
عناصر متناقضة في اتجاهاتها تحيد أو تخفف من قوة بعضها البعض لكنها لا تلغي واقعا وهو ان مشكلة الهجرة من القارة الأميركية اللاتينية وتحديدا من المكسيك مشكلة تفرض ذاتها على الأجندة السياسية الأميركية.
خلاصة الأمر انه في مطلع هذه الرحلة الانتخابية يبدو أن الثورة المحافظة التي أتت برونالد ريغان إلى الحكم لم تسقط أو تنته كليا رغم أنها تعثرت وخلقت الكثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ولكن لا يمكن القول ان هنالك مشروعا فكريا سياسيا ليبراليا، بالمفهوم الأميركي لليبرالية، جاهزا ومتماسكا وواضحا لانتزاع السلطة وإجراء قطيعة مع ما مضى على صعيد المقاربة الأساسية الشاملة للحكم.
فلن نرى تحولا أساسيا مثلما حصل عام 1932 مع العقد الجديد ولن نشهد بالطبع شيئا مشابها لما حصل عام 1964 مع مفهوم «المجتمع الكبير» لليندون جونسون. ولكن حالة التعب والقلق والانتقادات المتزايدة والواسعة للرئيس بوش في إدارتيه الأولى والثانية،
ليست فقط في الشأن الخارجي رغم أهميته ولكن خاصة في الشأن الداخلي الاقتصادي والاجتماعي، تؤشر إلى وجود احتمال كبير بفوز الديمقراطيين بالرئاسة عبر رمز التغيير والشخص الأكثر عالمية وتعددية في أصوله وحياته وتجربته باراك أوباما أو عبر هيلاري كلينتون التي تحمل الإرث السياسي بمحصلته الايجابية الأكبر لزوجها والتي تمثل بشكل أفضل
وبالتالي تطمئن بشكل أعمق المؤسسة السياسية الأميركية كونها من صلب هذه المؤسسة مقارنة مع أوباما ولو أنها فيما لو فازت ستكون السيدة الأولى التي تصل إلى الرئاسة في الولايات المتحدة ولكنها ليست الأولى في القارة الأميركية وقد سبقتها كريستينا كيرشنر في الأرجنتين وقبلها ميشال باشولي في الشيلي. إنها معركة مثيرة طويلة ومليئة بالمفاجئات للولايات المتحدة التي تعيش قلق التغيير دون أن نعرف حجمه ومداه.
كاتب لبناني