كانت الكويت في الثامن من هذا الشهر على موعد مع استجواب تاريخي كان بطله امرأة اسمها نورية براك الصبيح، وقد أعطت هذه المرأة صورة مشرقة للمرأة الكويتية بل ولربما للمرأة العربية، إذ وقفت خلال عشر ساعات ترد على مستجوبيها بثقة عالية في النفس وباقتدار وبتحضير جيد وبإلمام بالموضوع تحسد عليها.

وكان أداؤها موضعاً لإعجاب الجميع حتى قال فيها النائب السابق يوسف المخلد، الذي عاصر التجربة النيابية الحديثة منذ بواكيرها الأولى «والله امرأة عن عشرة رياييل»!! وخرج رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد في الساعة السابعة مساءً والابتسامة تعلو محياه وهو يمسك بيد الوزيرة المظفرة (كما تظهر الصور المنشورة في الصحف) ويقول هذه هي الديمقراطية الكويتية،

وحين سؤاله عما إذا كانت الحكومة ستتقدم بكتاب عدم تعاون مع المجلس أثر تداعيات الاستجواب، حيث تمخض عن طلب طرح الثقة بالوزيرة، أجاب المحمد بقوله: «لقد أدليت برأيي ووجهت شكري على هذه الممارسة الحضارية التي تتم وفق الحق الدستوري لمجلس الأمة».

ومقدم الاستجواب هو الدكتور سعد الشريع، ويصنف باعتباره إسلامياً مستقلاً، وقد ناصره ثلاثة من النواب أحدهم وهو مسلم البراك ينتمي إلى التكتل الشعبي، وهو تكتل نيابي يتزعمه الرئيس السابق لمجلس الأمة أحمد السعدون، ويطرح هذا التكتل مطالب «شعبوية» ويضم نواباً من السنة والشيعة والقبائل،تجمعهم خطوط عريضة ويختلفون في تفاصيل كثيرة ومنها موقفهم من الاستجواب وطرح الثقة بالوزيرة.

كما وقف مع الشريع نائبان مستقلان آخران هما علي الدقباسي (نائب قبلي) وصالح عاشور (نائب شيعي مستقل ). أما الطرف المعارض للثقة والمؤيد والمدافع عن الوزيرة نورية الصبيح فقد ضم نائبين من التيار الوطني وهما علي الراشد ومحمد الصقر،

ونائب إسلامي مستقل وهو عادل الصرعاوي. ويلاحظ اختلاط الأوراق في هذا الاستجواب بين التكتلات المختلفة، إذ إن مقدمي الاستجواب هم خليط من القوى القبلية والطائفية والمستقلين وبعض نواب التكتل الشعبي، في حين أن نواب الحركة السلفية ونواب الحركة الدستورية ( الإخوان المسلمون ) لم يعلنوا موقفهم إلى الآن.

ودارت محاور الاستجواب حول عدة قضايا منها حادثة هتك العرض التي حصلت بإحدى مدارس منطقة العارضية والتي يمثلها النائب مسلم البراك، حيث أقدم بعض عمال النظافة من الجنسية البنغالية على هتك عرض مجموعة من تلاميذ المدرسة. وقد اتهمت الوزيرة على إنها لم تتعامل مع الحدث بصورة سليمة إذ أنكرت وقوعه أول الأمر لتعود وتؤكده فيما بعد.

وركز المستجوبون على حادثة أخرى وقعت، حيث أقدمت تلميذة تبلغ من العمر 12 سنة على الشخبطة على القرآن الكريم، وانتقد النواب تعامل الوزيرة مع تلك الحادثة. وتحدث هؤلاء عن كتب جنسية موجودة في المكتبات المدرسية، وعن كتب للسلف الصالح بها أخطاء وتحريفات. وطرح النواب مجموعة أخرى من الانتقادات والملاحظات يضيق المجال بذكرها.

أما بخصوص حادثة هتك العرض فإن الوزيرة بينت أنها حينما نفت الحادث لم يكن قد وصلتها الأخبار الرسمية المؤكدة، وحينما تيقنت من الأمر، أكدت الخبر واعتذرت عن الخطأ. وبخصوص التلميذة التي شخبطت على القرآن الكريم أشارت نورية الصبيح أن إحدى التلميذات وعمرها 12 سنة كتبت على كتاب تفسير القرآن كلاماً غير مقبول،

وقامت الوزارة بفصلها لمدة خمسة أيام، وبعد نقلها من مدرستها تقدم ولي أمرها بتظلم، وعندما حققنا اكتشفنا عدم وجود أدلة ضدها، لذلك قمنا بإعادتها إلى مدرستها. أما بالنسبة للكتب الجنسية فقد قامت الوزيرة بمخالفة المكتبات التي استوردت منها الوزارة، في حين أن الكتب التي أساءت إلى السلف بوجود أخطاء فيها إنما هي من إهداءات وزارة الأوقاف الكويتية!

أردت من هذه الاستطالة أن أبين للقارئ الكريم البعيد عن الأجواء الكويتية كيف وصل حال الوضع السياسي عندنا حيث أصبح أهم سماته هو «التصيد في الماء العكر» وأضحت المقولة الشعبية الأميركية dirty politics تنطبق خير انطباق على تداولات وتحركات نواب مجلسنا، وهو الأمر الذي أكده النائب الإسلامي المستقل عادل الصرعاوي

حينما قال إن الاستجواب كان قد أعد قبل وقوع حادثة هتك العرض بإحدى مدارس العارضية، في حين أكد النائب علي الراشد أن قرار طرح الثقة قد اتخذه النواب الموقعون قبل سماع ردود الوزيرة!! وهو ما دعا النائب محمد الصقر هؤلاء النواب إلى عدم التمادي في غيهم محذراً إياهم من أن رواد كثير من الدواوين الذين شاركوا في مظاهرات الاثنين المشهورة في العام 1990 للمطالبة بعودة المجلس والعمل بالدستور، إن رواد هذه الديوانيات باتوا اليوم ينتظرون متى يحل مجلس الأمة!!

وقد خرجت الحكومة واثقة من أن الاستجواب الذي سيقدم في جلسة المجلس القادمة بعد أسبوعين لن يحظى بالأغلبية المطلوبة. والحق أن الفترة الفاصلة بين الاستجواب وجلسة طرح الثقة هي فترة «المقايضات والمساومات» بالذات للكتل الصامتة كالإخوان المسلمين والسلف والنواب الآخرين، الذين سيطالبون بثمن لعدم تأييدهم لطرح الثقة،

وعادة ما يكون هذا الثمن في إعطاء مؤيديهم والمقربين منهم مناصب مهمة في هذا المرفق أو ذاك، أو بعض التسهيلات الأخرى. وعلى الرغم من أن هذا الاستجواب كان الرابع لوزير يتقلد التربية إلا إن تطويراً مهماً لم يحدث في مستوى التعليم، ولعل الوزيرة الحالية هي أكفأ الوزراء الذين مروا على وزارة التربية منذ سبعينات القرن الماضي،

إذ هي كما يقال «بنت الوزارة» علاوة على شخصيتها التاتشرية (نسبة إلى مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة). فقد عملت كمدرسة بين العامين 1975 - 1980 ثم وكيلة مدرسة لأربعة أعوام، فناظرة لمدرسة متوسطة وثانوية إلى العام 1986، لتدخل بعد ذلك إلى العمل الإداري في وزارة التربية ولينتهي بها المقام إلى منصب الوكيل المساعد للتعليم العام 2000-2006 .

وقد قدمت استقالتها حينما نقلها الوزير السابق عادل الطبطبائي من هذه الوظيفة إلى وظيفة أخرى. وحينما رشحت للوزارة أثار النواب الإسلاميون جدلاً حولها كونها سافرة لا ترتدي حجاباً، وقد أصرت على أداء القسم وهي على هيئتها تلك.

إن الأجواء السياسية في الكويت مليئة بكل الاحتمالات ومنها حل مجلس الأمة وإجراء انتخابات جديدة على نظام الدوائر الخمس. وهذا الاحتمال يحاول الكثيرون الدفع به، لحسابات سياسية معينة متعلقة بصراع أقطاب السلطة،

بيد أن ثمة فريقا آخر حريص على المحافظة على المجلس الحالي لحين إكمال دورته، وهذا الفريق يحاول التهدئة ما أمكن. ولا شك أن اجتماع الكتل النيابية مع أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الأحد المقبل سيبين إلى أي اتجاه ستسير سفينة الكويت.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com