تدخل الأزمة اللبنانية ساعة الحسم، مع بدء تنفيذ المبادرة العربية التي ان أهدرت في خضم التجاذب والمساومات الحزبية، فإن باب جحيم التدويل والتدخل الأجنبي غير المسبوق سينفتح على مصراعيه.
و لن يترك للبنانيين سوى مرارة العلقم وفقد أثمن ما خلفه الآباء وجيل الرواد، من تعايش وتناغم وقدرة على احتواء التباينات بين الطوائف، وجعل التعددية ميزة وقوة لوطن ظل يجسد طيلة تاريخه مثالا يحتذى في كيفية الحفاظ على الوحدة الوطنية، من دون طمس لخصوصية كل جزء من مكونات النسيج العام.
والمبادرة العربية تستند إلى صيغة خلاقة تهدف إلى معالجة القضايا الخلافية الرئيسية، وتخطي عقبات التفاصيل الصغيرة، لان مثل هذه التفاصيل الصغيرة تخفي وراءها (شيطاناً سياسياً) ينسف اي محاولة للتسوية والمصالحة الوطنية،
وتبني ضرورة سد الفراغ الرئاسي الذي بات أمراً معيبا فضلا عن كونه خطرا يهدد الوطن ومصالح أبنائه، فالرئاسة تمثل دائما العنوان الأول لسيادة الوطن ووحدته، واستقراره، وغيابه وفراغ موقعه يجب ألا يتجاوز مهلة استثنائية.
وتتضمن المبادرة العربية، كما هو معلن، تحقيق مطالب المعارضة والموالاة معا من دون انحياز لطرف لحساب آخر، وأول هذه المطالب انتخاب قائد الجيش العماد ميشيل سليمان رئيسا للجمهورية وفقا للأصول الدستورية، وثانيها تشكيل حكومة وحدة وطنية فورا طبقا للأصول الدستورية .
وفوق كل ذلك الا يكون لأي طرف فيها حق ترجيح أو إسقاط أي قرار، وجعل هذا الحق من صلاحيات رئيس الجمهورية وحده، يضاف إلى هذا البدء عقب تنصيب العماد سليمان رئيسا في وضع قانون جديد للانتخابات. يحل كل القضايا العالقة من مخلفات الحقب الماضية.
في خضم الجولات المكوكية التي يقوم بها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بين قادة وزعماء الكتل والطوائف، برزت مشكلات جديدة تعرقل وضع المبادرة على طريق التنفيذ وإنهاء الأزمة، في مهمته الحالية في لبنان لوضع المبادرة العربية لحل أزمة الرئاسة اللبنانية موضع التنفيذ، وهي المبادرة التي أطلقها مجلس وزراء الخارجية العرب في اجتماعه الطارئ يوم الأحد الماضي بمقر الجامعة العربية بالقاهرة.
من جملة هذه العقبات الجديدة كيفية تشكيل الحكومة، وآلية توزيع حقائبها وحصة كل فريق من المعارضة والموالاة، وهي عقبات من السهل تخطيها شرط توفر الإرادة على إنجاح المبادرة. وهي الحقيقة التي لخصها عمرو موسى في قوله أمس « جدار الأزمة مصنّع ومن السهل كسره». متمسكا بتفاؤل الربع ساعة الأخير، واعتقاده بأن الاتفاق بين المعارضة والموالاة ممكن، بعد ثلاثة أيام من المفاوضات العسيرة والجولات المكوكية.
من الواضح ان ثقة الأمين العام للجامعة العربية وتفاؤله تستندان إلى الرهان على وعي وحكمة القيادات اللبنانية التي ستمنع انفلات اللحظة الأخيرة، أو إهدار فرصة لن تتكرر لإصلاح ما أفسدته الحزبية والتوغل في تعميق الانقسامات، والتخلي عن إدارة الخلاف في اطار وطني جامع، وتركه يتفاقم إلى درجة تفتح باب التشرذم وتؤبده.
وان فشلت محاولتان للجامعة العربية وأمينها في وقت سابق، فان مصير الجولة الثالثة يجب ان يحالفه النجاح في الجلسة المؤجلة لمجلس النواب. لان البديل لن يكون في صالح اي فريق سواء معارضة أو موالاة،
فالجميع سيخسر وسيتحمل امام التاريخ لعنة إهدار المحاولة العربية الأخيرة لإنقاذ لبنان من السقوط في قاع لا قرار له من الانقسامات المفتوحة على عواصم دولية، تسعى لجعل لبنان ساحة لتصفية الحسابات ومؤشرا يقيس مدى هشاشة الوضع الاقليمي وإمكانية إعادة صياغته وتشكيله وفقا لمصالحها، بصرف النظر عن مصالح لبنان أو باقي الدول العربية.
والشاهد ان لبنان سيبقى عنصرا مؤثرا في اتجاهات احداث المنطقة العربية، وفشل قادته في تخطي مأزق سد الفراغ الرئاسي سينعكس سلبا على مجمل مجريات الأوضاع العربية من فلسطين إلى العراق وغيرهما من مناطق التوتر.
وستفتح معها باب التدويل الذي لن يكون على شاكلة محكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، بل سيكون تدويلا يطمس معه بهاء لبنان واستقلاله، ويعزز مكانة إسرائيل، ويقوي شوكتها ضد العرب.
