ينظر الإسرائيليون إلى المفاوضات مع الفلسطينيين وكأنها ثانوية وليست مفصلية، ويركزون بدلاً من ذلك على المفاوضات مع الأميركيين لانتزاع تفاهمات معهم يجري فرضها على الفلسطينيين لاحقاً. ففي مؤتمر أنابوليس وما بعده أخرج الإسرائيليون في مواجهة التصلب الفلسطيني ضد الاستيطان رسالة تفاهم أرسلها الرئيس الأميركي جورج بوش إلى ارييل شارون قبل أكثر من ثلاث سنوات.

وأيد فيها بقاء الكتل الاستيطانية الكبيرة تحت السيادة الإسرائيلية في إطار الحل النهائي. ومع ان المرحلة الأولى من خارطة الطريق تنص على وقف الأنشطة الاستيطانية وإزالة المواقع الاستيطانية العشوائية إلا أن إسرائيل لم تفعل شيئاً بهذا الاتجاه منذ عام 2003

بل زاد عدد البناء الاستيطاني والمواقع الاستيطانية العشوائية التي وصفها الرئيس الأميركي في تصريحات له قبل توجهه الى جولته في المنطقة بأنها غير شرعية. والشرعية هنا تعني عدم موافقة الحكومة الإسرائيلية عليها. وهو هنا يضفي شرعية على المستوطنات الأخرى.

في موازاة زيارة بوش تعتزم إسرائيل الإعداد لإخلاء بعض المواقع الاستيطانية نزولاً عند طلب بوش وإخراج ذلك مسرحياً كأنه إحدى نتائج الزيارة المهمة للرئيس الأميركي، ولكن بعيداً عن الأضواء يحاول الإسرائيليون التوصل إلى تفاهم ثنائي مع الولايات المتحدة أثناء الزيارة يمكن وصفه بأنه مثل إقامة جدار أمني سياسي جديد يحدد معالم الحل النهائي مع الفلسطينيين.

فعلى الأرض يواصل الإسرائيليون بناء الجدار الذي استولى على ما يقرب من 12 في المئة من أراضي الضفة وربما أكثر لغياب الإحصاءات الفلسطينية. وعملياً ثمة اعتراف أميركي بالجدار كحدود جغرافية بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المقبلة وثمة اعتراف أميركي بالكتل الاستيطانية وضرورة ضمها إلى إسرائيل،

ولكن طموحات إسرائيل أكبر، فهي تحاول إقناع الرئيس الأميركي أثناء زيارته بورقة تفاهم جديدة حول القضايا الأمنية فمثلما قيدت الدولة الفلسطينية بحدود الجدار والكتل الاستيطانية تريد إقامة جدار أمني جديد يتيح لها الهيمنة الأمنية على الدولة الفلسطينية بحيث تكون منزوعة السلاح وحدودها ومعابرها تخضع لرقابة إسرائيلية مستمرة

وكذلك الإبقاء على التواجد العسكري الإسرائيلي في غور الأردن الممتد من شمال الضفة حتى البحر الميت وهو يشكل ثلث مساحة الضفة الغربية ويعتبره أولمرت الاحتياطي الاستراتيجي للاستيطان، فالتواجد العسكري الإسرائيلي في غور الأردن يعني ضمناً منع إقامة مدن فلسطينية فيه.

وكذلك تريد إسرائيل استخدام الأجواء الفلسطينية والسماح لها أيضاً بنشر قواتها في أماكن استراتيجية فلسطينية أثناء الطوارئ لصد أية هجمات من الشرق. في حالة موافقة الرئيس الأميركي عليها فإنها عملياً تبدد الآمال في إقامة دولة فلسطينية مستقلة بل تفرغ المفاوضات الجارية من مضمونها وتجعلها تدور في حلقة محددة سلفاً

وتخضع المفاوض الفلسطيني لقيود لا يستطيع تجاوزها طالما أن الإدارة الأميركية تؤيد الموقف الإسرائيلي. وهذا الوضع جدير بإضعاف السلطة الفلسطينية أمام شعبها وفقدان الإدارة الأميركية لمصداقيتها أمام النظام العربي الذي كان يظن أنها ستلعب بعد أنابوليس دور الوسيط النزيه بعد عقود من تبنيها الموقف الإسرائيلي مهما كان.

فالرئيس الأميركي في حالة موافقته على هذه المطالب أثناء زيارته فإنه هنا يدعم النفوذ الإيراني ولا يعمل على الحد منه مثلما صرح لصحيفة يديعوت يوم الجمعة الماضي حيث قال إن من أهداف جولته في دول المنطقة محاصرة النفوذ الإيراني لكن تلبيته للمطالب الإسرائيلية تخدم النفوذ الإيراني لأنه ينحاز الى إسرائيل في مواجهة الفلسطينيين، وإيران وحلفاؤها في المنطقة ينتظرون مثل هذا الموقف الفج لتأكيد مصداقية مقاومتهم للسياسة الأميركية.

اذ يبدو وكأن بوش رتب مع الإسرائيليين مسبقاً حكاية إزالة المواقع الاستيطانية العشوائية لإظهارها وكأنها انتصار لسياسته ونوع من الضغط على إسرائيل لكنه ينسى ان مثل هذه الإزالة واردة في المرحلة الأولى من الطريق مع تجميد الاستيطان ولم تقم إسرائيل بتنفيذها إضافة الى عدم تجميدها الكامل للاستيطان.

فرئيس الوزراء الإسرائيلي لم يلتزم حتى الآن بتجميد الاستيطان وإنما يكرر القول إن إسرائيل تتعهد بعدم إقامة مستوطنات جديدة. وهذا يعفيه من مراقبة البناء الاستيطاني المستمر في ضواحي القدس وأماكن أخرى بحجة أنها أحياء تم ضمها لإسرائيل وتخضع للبلدية الإسرائيلية. زيارة بوش عملياً لن تأتي بجديد على الصعيد الفلسطيني بل ربما ستخدم إسرائيل أكثر.

ولعل رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت لم يبالغ عندما قال في مقال له الأسبوع الماضي إن الوقت ملائم بالنسبة لإسرائيل للتوصل الى تسوية خاصة وأن كبريات الدول الغربية يحكمها أصدقاء لإسرائيل

وهي ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. فهل في مثل هذا المناخ يمكن للفلسطينيين البائسين داخلياً أن ينجزوا دولة حقيقية أم دولة على مقاسات إسرائيلية طالما ان المفاوضات الحقيقية تجري بين واشنطن وتل أبيب.

صحيفة الحياة الجديدة ـ فلسطين