بالرغم من الترحيب والتفاؤل اللبناني بالرؤية العربية وبالتحرك العربي لحل الأزمة السياسية، إلا أننا ندرك أن مهمة الأمين العام للجامعة العربية لن تكون سهلة، وذلك لأسباب واقعية بعضها داخلي يتصل بسوء التفسير، وبعضها خارجي يتصل بسوء التدبير، لكن مع ذلك تزداد مساحة الأمل هذه المرة لنجاح المظلة العربية في احتواء الخلافات اللبنانية، لأن أمن ووحدة وسلام لبنان ضرورة لبنانية كما هي في نفس القدر ضرورة عربية.

ووجود قدر من التباينات في الرؤى بين الموالاة والمعارضة، هو أمر طبيعي لاختلاف مشروع وأهداف الموالاة عن مشروع وأهداف المعارضة، والذي يقوم به الدور العربي هو محاولة وضع القواسم المشتركة لتكون أرضية للائتلاف رغم الخلاف،

وتحقيق المشاركة الديمقراطية، وإبعاد فرص المواجهة، ونزع سيطرة طرف دون طرف على صنع القرار أو منع القرار.. والسعي لإقناع الأطراف بتنازلات متوازية ومتوازنة ومتزامنة للوصول إلى «فورية» التوافق على انتخاب رئيس الجمهورية، و«فورية» الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية.

وحيث من الثابت أن الحلول السياسية للأزمات الوطنية مثلما هي في الأزمات الدولية، لا تحقق لكل الأطراف المتفاوضة كل المطالب، فلا بأس من بعض التنازلات المتبادلة وبعض الضمانات الدستورية أو العربية التي تطمئن الجميع.

وإذا بدا واضحا الآن أن الخروج من خرائط الجغرافيا، والهروب من روابط التاريخ أمر مستحيل.. فليس هناك من حل إلا أن يكون الحفاظ على عروبة وسلام وأمن واستقلال لبنان وفلسطين وكل وطن عربي، هو مسؤولية عربية؟

ومن هنا يأتي ترحيبنا بهذا التحرك العربي الإيجابي الباعث على نسبة أكبر من التفاؤل، فيما يبدو أنه محاولة للإجابة على ما سبق أن طرحناه من تساؤلات وسط توقعات سابقة متباينة من التشاؤم والتفاؤل..

لقد كنا نتساءل.. من ينقذ لبنان.. من العدوانية الإسرائيلية، ومن الخلافات العربية، ومن التجاذبات الإقليمية، ومن المشاريع الدولية؟.. وقبل ذلك كله من الحالة اللبنانية ذاتها، وعلى الأخص حالة الانقسام والارتهان للخارج لعدد من رموز الطبقة السياسية؟

كما كنا نتساءل.. هل يمكن خروج لبنان من المأزق الراهن بالاغتراب عن شقيقه العربي والاقتراب من صديقه الغربي؟.. أم بالعزلة عن محيطه العربي والفرار من واقعه الإقليمي والهروب من دائرة الصراع الدولي؟

كما سبق أن أكدنا هنا مرارا أنه لا حلول ممكنة للأزمة اللبنانية يمكن أن تأتي من خارج دائرة الوفاق والاتفاق الوطني اللبناني، بمظلة أو بوساطة عربية لا غربية وصولا إلى توافق سياسي جامع على انتخاب رئيس للجمهورية،

وعلى برنامج ورئاسة حكومة وحدة وطنية تترجم الشراكة وتمنع الاستئثار بالقرار، وتعد لقانون انتخاب جديد أكثر توازنا وتمثيلا للفسيفساء اللبناني تمهد الطريق للتوافق حول انتخابات مرشح الرئاسة.. ولا حلول ممكنة إلا بعيدا عن التبعية أو الارتهان لعواصم أو سفارات أجنبية بعينها لم يعد خافيا على أحد مدى تدخلها السافر في الساحة اللبنانية

ومدى انحيازها وسعيها الخبيث المعلن للفتنة اللبنانية والسورية والفلسطينية، أو للوقيعة بين دولة عربية ودولة عربية، أو للمواجهة بين دول عربية ودولة إسلامية، والهدف هو استمرار الأزمات بغير حل، للسماح بحالة الفوضى المدمرة المطلوبة وفقا لمشروع الشرق الأوسط الجديد.

وثبت أخيرا بعد فشل محاولات الحلول الغربية وفق أجنداتهم التي لا علاقة لها بمصلحة لبنانية أو عربية، أن الحل النهائي في لبنان اعتمادا على أبناء وأشقاء لبنان بدعم من «بيت العرب»، وليس من داخل قصر الإليزيه الفرنسي، أو المكتب البيضاوي في البيت الأبيض الأميركي.

ولأن لبنان واقع حاليا بين أربعة أضلاع حيث تتصادم في ساحته الرياح الغربية مع العربية، والغربية مع الغربية، والعربية مع العربية، والأميركية الإسرائيلية مع السورية الإيرانية، فإن المشكلة تبدو تعقيداتها بين أربعة خيوط وحلولها لا بد أن تتعامل مع هذه الخيوط الأربعة،

وعلى من يسعى لفك العقدة اللبنانية المتشابكة أن يعرف بأي خيط يبدأ وعلى أي خط يسير.. وهذا ما يحاول عمرو موسى أن يفعله الآن في بيروت

mamdoh77t@hotmail.com