في كل امة عريقة تولد حاضرة تعكس روح الأصالة وتعكس موروث تلك الأمة. والثابت ان في قلب هذه الحاضرة تظهر شخصية رجل قرين بها ربما تلهمه او ربما يلهمها وفي الحالتين تتقد روح التطور والحضارة والتألق.
في تاريخنا العربي ولدت مدن تحولت بفعل رجال اقترنوا بها الى حواضر ألهمت العالم فصار اسم تلك المدن يقترن باسم الرجل الذي ألهمها بريقا وازدهارا وجميعنا نعرف قاهرة المعز ودمشق الأمويين وبغداد المنصور.. الخ.
ولكن يبدو ان وقتا طويلا مر قبل ان نرى اليوم مدينة مثل دبي تحولت الى حاضرة للعرب في زمن تكاد شموسهم تغيب وليلهم يطول وضباب الكوارث والمآسي يخنق الروح العربية فلا تكاد العين ترى نورا في آخر نفق طويل خضنا فيه حروبا لم تنتج إلا خرابا وصرخنا بشعارات لم تنتج الا فوضى وتمسكنا بأوهام لم تحولنا الا لمهاجرين ومهجرين.
دبي وقرينها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم جعلانا نحن العرب وليس الإماراتيين فحسب نرفع رؤوسنا لنقول نحن امة لن تعجز ان تخلق حاضرتها رغم الزمن الصعب والتحديات الجسام. فدبي لم تكن مدينة متميزة في البناء والعمارة والتطور الواقع ان هذه المدينة تحولت الى حاضرة بفعل تحولها الى مركز ثقافي وعلمي ومعرفي يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب.
فلا يكاد يمر شهر حتى تشهد دبي لقاء او مؤتمرا او قمة او مهرجانا او كرنفالا يجمع كل الثقافات والعادات. يلتقون جميعا ليتباحثوا ويتباروا في إظهار أرقى وآخر التطورات في مختلف التخصصات الثقافية والفنية والعلمية والتكنولوجية.
وهذا بالذات هو الذي يجعل من دبي حاضرة وجعل منها لؤلؤة الشرق المبهرة. الا ان الإبهار والروعة والتطور المتزايدين في دبي حاضرة العرب في القرن الحادي والعشرين لم يكونا محض صدفة انه بالتأكيد محض قيادة متميزة آمنت أن كل إبداع في العالم كان يوما حلما مستحيلا ينتظر رجلا شجاعا صريحا ليحول الحلم الى واقع.
انها قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ذلك الرجل الذي صار قرين دبي ورجل تلك الحاضرة المشرقة. قيادة استخدمت ثلاثة أسس لبناء مدينة مثل دبي صارت تنافس أشهر حواضر العصر.
هذه الأسس هي:
أولا: الإدارة الرشيدة. التي تعني التخطيط الدقيق المبني على تناغم الإمكانات والوقت والهدف هي العوامل التي تأسست عليها استراتيجية دبي، والتي كشف عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والتي تهدف في المقام الأول إلى تحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة، وضمان توفير الرخاء للمواطنين.
وتؤسس هذه الاستراتيجية لمرحلة جديدة من العمل الحكومي تواكب التغيرات الاقتصادية، وتركز على اتباع أفضل الممارسات بهدف تحقيق الرخاء من ناحية، وتعزيز مكانة الدولة إقليمياً وعالمياً من ناحية أخرى. وتتضمن الاستراتيجية 21 موضوعاً موزعة على ستة قطاعات رئيسة هي: قطاع التنمية الاجتماعية،
وقطاع التنمية الاقتصادية، وقطاع العدل والسلامة، وقطاع التطوير الحكومي، وقطاع البنية التحتية، وقطاع تطوير المناطق النائية. هذه الاستراتيجية تعد مثلا حيا للتخطيط الاستراتيجي السليم وهو انجاز رائع حيث ان هذه الإمارة تعلن للعالم انها تعرف ماذا تريد للخمسين سنة المقبلة.
ثانيا: المعرفة أساس بناء الأوطان: وهو العنصر الأهم الذي اعتبره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أساس بناء الأمم التي تريد ان تضع نفسها تحت الشمس في عالم صارت المعرفة عنصر الحراك والتغير فيه.
هذه هي الرسالة التي حملها سموه الى المنتدى الاقتصادي العالمي في البحر الميت والتي أطلق خلالها واحدة من اكبر المبادرات التنموية في الشرق الأوسط حيث رصد مبلغ 10 مليارات دولار كوقف لدعم المشاريع المعرفية في العالم العربي.
ثم تبعت تلك المبادرة مؤتمر دبي للمعرفة والذي أطلق جملة من المبادرات والمشاريع لتفعيل فكرة المعرفة أساسا لبناء الأمم. ثالثا: الشواخص الحضارية: وهو الركن الثالث الذي أبدعت فيه حكومة دبي. فلكل حاضرة لابد من شواخص حضارية بعضها تصنعها الطبيعة والأخرى تصنعها رؤية الإنسان وأحلامه وكلما كان الحلم صعبا ومستحيلا صار تنفيذه أعجوبة ليس لها مثيل.
وفي دبي صارت عملية البناء هي عبارة عن تحويل الصحراء والبحر وهي مكونات مدينة دبي الى شواخص حضارية. وهو ما يحدث اليوم في دبي حيث تحولت تلك الإمارة الى مجموعة من الشواخص المبهرة التي ان لم تكن غير مسبوقة في الشرق الأوسط فهي غير مسبوقة في العالم.
وبالتالي تحول البر والبحر في دبي الى ميدان للبناء والإعمار وصارت رؤية القيادة وأحلامها شواخص تراها العين المجردة وكل ركن صحراء كان ام بحرا صار فيه أساس لبناء حضاري غير مسبوق. إذاً حاضرة دبي وجدت الرجل الذي يقود تلك الحاضرة ويحول أحلامها الى واقع عملي سبيلا لكي تتحقق أحلام هذا البلد البكر وربما لتلهم بلداننا العربية لهم هي الأخرى في البحث عن رجالها الذين يحولون الأحلام الى وقائع ويرسمون المستقبل الأفضل.
كاتبة عراقية