لن تقوم دولة فلسطينية كاملة الاستقلال والسيادة الوطنية خلال الاثني عشر شهراً المتبقية من عمر إدارة جورج بوش. وتبقى مشكلة الرئيس الأميركي هي كيفية مواصلة التواطؤ مع إسرائيل لشراء الوقت من أجل مخادعة قيادة السلطة الفلسطينية خلال ما تبقى له من عمر سلطوي.

لكن ملف القضية الفلسطينية لن يكون الملف الأوحد الذي سيضطر بوش إلى تركه مفتوحاً لخلفه. هناك الملف العراقي والملف الأفغاني والملف الباكستاني بالإضافة إلى ملفين نوويين: الإيراني والكوري، وإذا أضفنا إلى هذه القضايا مسائل داخلية كمعضلة تدهور الاقتصاد الأميركي فسندرك أن الرئيس القادم سوف يرث جدول أعمال مزدحماً ومعقداً.

مع ذلك فإن ملف القضية الفلسطينية سوف يكون الأسهل نسبياً من وجهة نظر الإدارة الجديدة المرتقبة لأن هذه القضية تبقى محكومة بثوابت أميركية مستدامة بصرف النظر عن تعاقب الرؤساء والإدارات.

وتأسيساً على هذه الحقيقة لن يجرؤ الرئيس المقبل مثلاً على إلغاء «رسالة الضمانات» التي سلمها جورج بوش رسمياً لرئيس الحكومة الإسرائيلية السابق أرييل شارون وتتعهد بموجبها الولايات المتحدة بالاعتراف الرسمي بأن مناطق المستوطنات اليهودية المقامة على أرض فلسطينية جزء لا يتجزأ من الرقعة الأرضية للدولة الإسرائيلية.

وأولى الثوابت الأميركية بالطبع هي أن الولايات المتحدة لن توافق في أي حال من الأحوال على إنشاء دولة فلسطينية إلا بالمواصفات الإسرائيلية. في الملف العراقي سوف يتعين على الرئيس القادم اتخاذ قرار حاسم بشأن البقاء الأميركي في الأراضي العراقية أو الانسحاب منها: ذلك القرار الذي سيظل الرئيس بوش يتهرب منه على مدى ما تبقى له من شهور في البيت الأبيض.

ورغم أن الانسحاب بات مطلباً شعبياً داخل الساحة السياسية الأميركية إلا أن الأمر ليس بالبساطة التي يبدو عليها، فالبقاء في العراق يعني المزيد تلو المزيد من مقتل الجنود الأميركيين دون تحقيق انتصار أميركي حاسم بينما الانسحاب يعني ببساطة تقديم العراق لإيران كهدية مجانية.

هذه الحالة تنطبق أيضاً على الوضع المتردي في أفغانستان. فقد أصبحت قوات الحلف الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة متورطة في مستنقع تتساوى فيه مخاطر البقاء مع مخاطر الانسحاب، وذلك لصالح حركة طالبان في الحالين، ومؤخراً أخذت الحالة الأفغانية تزداد تعقيداً على تعقيد ببروز البعد الباكستاني.

فبينما أصبح المشهد الباكستاني الداخلي في حالة فوضى وأصبح مستقبل الحكم في البلاد محفوفاً بغموض ومخاطر فإن قادة الإقليم القبلي الباكستاني المحاذي للأراضي الأفغانية استطاعوا أن يحكموا سيطرتهم العسكرية تماماً على الإقليم مما جعل منه قاعدة خلفية ليس فقط لحركة طالبان الأفغانية وقواتها وإنما أيضاً لتنظيم قتالي جديد داخل باكستان أصبح يعرف باسم «طالبان الباكستانية».

والحيرة التي تسيطر الآن على إدارة بوش تجاه كيفية التعامل مع حالة التعقيد الأفغانية ـ الباكستانية سوف تنتقل دون شك إلى الإدارة الأميركية المرتقبة. ويبقى الملفان النوويان: الإيراني والكوري الشمالي. لقد فشلت إدارة بوش في كل منهما، والهدف الأميركي تجاه البرنامج النووي الإيراني كان حمل طهران على وقف عمليات التخصيب النووي.

ومع تصاعد التحدي الإيراني بالرفض الحازم فشلت إدارة بوش في الوسائل الدبلوماسية ووسائل العقوبات.. واضطرت أخيراً إلى التخلي عن الخيار العسكري. ومن ناحية أخرى تراجعت كوريا عن تعهدها بتفكيك برنامجها لإنتاج أسلحة نووية.

ما يستنبط من هذا كله هو أن رئيس الولايات المتحدة القادم سوف يكتشف أن الوزن الدولي للقوة العظمى في عهد سلفه قد خف كثيراً.