إذا كان كلام الرئيس بوش عن «السلام»، خلال المؤتمر الصحافي مع أولمرت بعد وصوله إلى إسرائيل، هو عنوان بضاعة زيارته؛ فما كان هناك لزوم للزيارة أصلاً. هذه البضاعة مطروحة في السوق، من زمان، مجيئه إلى المنطقة من أجل إعادة طرحها، لا يزيد في رواجها أو يخفف من كسادها، إنجاز تسوية فلسطينية ـ إسرائيلية، تقوم على فكرة الدولتين، يتطلب منتجاً آخر.

خاصة في هذه اللحظة الفاصلة، وبالتحديد بالنسبة إلى الرئيس نفسه فهو لم يبق له في البيت الأبيض سوى سنة وعشرة أيام، فقط لا غير، ثم إن المنطقة وظروفها المعروفة، لا تسمح باستمرار الجرجرة وترك حبل الانفلات الإسرائيلي على غاربه. الفسحة ضيقة وعامل الوقت جوهري.

بيد أن بوش لم يغادر النغمة المألوفة والتي ثبت، ليس فقط عدم جدواها، بل أيضاً أنها كانت تشكل الغطاء الذي تحتمي به إسرائيل للتمادي في سياساتها العدوانية؛ من استيطان وجدار وحصار واجتياحات واغتيالات، بل هي لطالما أخذت من الاحتضان الأميركي لها، إجازة مرور لاغتيال الاتفاقيات ونسف الالتزامات وجولات التفاوض؛ تهرباً من السلام ومستلزماته،

فعندما يقف الرئيس الأميركي إلى جانب رئيس الحكومة أولمرت ويعلن ضمانه ليهودية دولة إسرائيل؛ فهو كأنه يقول لمضيفه ـ أو بالأحرى يحرّضه ـ بأن واشنطن تحمي رفضه لعودة اللاجئين، أو أنها تساند تشدده بخصوص موضوع القدس والإصرار على الاحتفاظ بها كعاصمة للدولة اليهودية هذه،

وعندما يكتفي الرئيس بوش بذكر المستوطنات «العشوائية» فقط، عند الإشارة إلى الاستيطان المطلوب التخلص منه؛ فإنه بذلك كمن يقول بأن باقي المستوطنات «شرعية» ويحظى التمسك بها بالتأييد الأميركي،

وبكل حال مثل هذا الكلام ليس بجديد، لكن تكراره الآن وقبل 24 ساعة من زيارته إلى رام الله، يعني في أحسن الحالات، تفريغ المفاوضات سلفاً وحث أولمرت على تحديد خواتيمها قبل البدء بجولاتها.

وبذلك فالرسالة إلى الجانب الفلسطيني واضحة: أن الرئيس الأميركي أخذ بالخطوط الحمراء التي حددها أولمرت؛ وهي القدس والتكتلات الاستيطانية الكبيرة والحدود الآمنة! وبالإضافة إلى تحديد المطلوب من الفلسطينيين قبوله؛

هناك قائمة من المطلوب منهم تنفيذ بنودها؛ ليس أقلها إبداء «التزام صارم» بمنع إطلاق الصواريخ الفلسطينية على إسرائيل ـ طبعاً من دون أن يقابله التزام مماثل بوقف وابل الصواريخ الإسرائيلية اليومية على غزة والضفة ـ؛

فضلاً عن اتخاذ «قرارات صعبة وتنازلات مؤلمة»، واضح أن تتصل بالقضايا النهائية من أجل إقامة الدولة الفلسطينية. أما بالنسبة لزيارته ودوره ومهمته في هذه العملية؛ فليس هناك من جديد. فهو «يأمل» بتوصل الجانبين إلى تسوية قبل نهاية رئاسته.

وفي هذا الصدد هو «متفائل جداً»! بتحقيق و«عده» وبلوغ هذا الهدف، ولأنه يتطلع إلى هذا الإنجاز، فقد جاء «لتزخيم» عملية التفاوض حول القضايا الرئيسية؛ ولحث الفريقين على اغتنام هذه «الفرصة التاريخية»، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال.

التحدث عن الأمل والتفاؤل مع حضّ الأطراف على تزخيم الجهود من أجل ترجمة الوعود؛ كله كلام جميل عند الحديث عن السلام وأهميته، لكن للسلام متطلباته، وهي في الحالة الفلسطينية ـ الإسرائيلية معروفة.

حدّها الأدنى المقبول هو في حمل إسرائيل على التسليم بالانسحاب حتى حدود 1967، عندئذ تصح مطالبة الفلسطينيين بشروط وليس قبل ذلك. أما الاكتفاء بالتغني بالسلام وإبداء الأمل والتفاؤل بخصوصه، يبقى في حدود صفّ الحكي لا أكثر.