مع الوضع في الاعتبار الجهود العديدة التي بذلت ولا تزال تبذل عربيا واقليميا ودوليا، وهي جهود مكثفة وتلتقي جميعها تقريبا عند الرغبة في حل مسألة انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية بتوافق الآراء، الا ان الاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب الذي عقد الاحد الماضي اتسم بالكثير من الاهمية لأنه عبر عن رغبة عربية واضحة وقوية في دفع الاوضاع اللبنانية نحو الانفراج والحل، وإبعاد أية عوامل قد تؤدي إلى تصعيد الخلافات بين الاطراف اللبنانية بشكل أو بآخر.

وإذا كانت التطورات والتحديات التي يتعرض لها لبنان الشقيق على امتداد الاشهر الاخيرة، قد اوضحت وإلى حد بعيد ان أبناء الشعب اللبناني هم أول المتضررين من استمرار الخلافات بين قوى الاغلبية والمعارضة، وان الاضرار يمكن ان تتزايد ويتسع نطاقها بدرجة كبيرة اذا عمدت بعض الاطراف الى التصعيد أو الى ادخال عناصر او ادوات جديدة في دائرة الصراع بين الاغلبية والمعارضة وهو ما لاتتحمله لا الأوضاع اللبنانية، ولا الأوضاع العربية كذلك.

واذا كان من الطبيعي ان يتم التعويل الى حد كبير على الدور والاسهام والتأثير الذي يمكن ان تقوم به جامعة الدول العربية بوجه خاص والدول العربية المعنية بالاوضاع اللبنانية بوجه عام، فإن من الجوانب المهمة التي تمخض عنها الاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب انه تم التوصل الى رؤية تتضمن خطوات عملية محددة للخروج من المأزق اللبناني الراهن من ناحية، وان ذلك تم باجماع الدول العربية ايضا من ناحية ثانية.

ولعل ما يزيد من أهمية ماتم التوصل اليه من اتفاق بين الدول العربية، وهو ما أسهمت فيه السلطنة بنشاط ملحوظ، انه كانت هناك مشاركة سورية ولبنانية في المناقشات التي أدت الى ذلك، وهو ما يوفر إطارا حيويا ومؤثرا بالنظر الى مايمكن ان تقوم به سوريا من تأثير ايجابي في هذا الامر.

ومع الوضع في الاعتبار طبيعة وتعقد الظروف والاوضاع اللبنانية والاطراف العديدة التي تحاول الدفع بالساحة اللبنانية الى هذا الاتجاه او ذاك، الا انه يمكن القول بأن الاجماع العربي وعلى مستوى وزراء الخارجية العرب، هو في الواقع مؤشر طيب لإمكان الدفع بالاوضاع اللبنانية نحو الانفراج بشكل اسرع وأعمق.

وفي هذا المنعطف المهم الذي تمر به الاوضاع اللبنانية، فإن جهدا عربيا كبيرا ومستمرا من المهم القيام به ليس فقط عبر جامعة الدول العربية وأمينها العام، ولكن ايضا عبر مساعدة مخلصة من جانب كل الاطراف العربية من أجل حمل الاطراف اللبنانية جميعها الى الاستجابة للمصالح الوطنية اللبنانية، وإخراج لبنان من عثرته الراهنة. ومن المهم والضروري ان يتزامن مع ذلك تجاوب ورغبة لبنانية مخلصة وصادقة وملتزمة بالمصلحة الوطنية اللبنانية قبل اية اعتبارات اخرى. وذلك لأن لبنان يهم بالتأكيد اولا الشعب اللبناني الذي يتطلع الى الاستقرار والانصراف إلى بناء حاضره ومستقبله على النحو الذي يريد وعلى اساس المصالح اللبنانية وحدها. مع بناء افضل العلاقات مع جيرانه ومحيطه الاقليمي على اساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والحفاظ على لبنان متماسكا ومزدهرا، دولة ومجتمعا، اليوم وغدا لأن ذلك يخدم بالضرورة المصلحة اللبنانية والعربية والاقليمية كذلك.