ستدور التعليقات والتنبؤات حول زيارة الرئيس الأميركي بوش، لأن دور أميركا في المنطقة والعالم لا يمكن التشكيك فيه، إذ حتى لو جاء نصف أمي يرأس هذه الدولة، فإنه سيمثل القوة المتهورة والعاقلة، وطالما نحن في الشأن الذي يخصنا فإن ما استهل به الرئيس كلمته عند استقباله في مطار بن غوريون قوله: "إن التحالف بين أمريكا وإسرائيل يسهم في ضمان أمن إسرائيل كدولة يهودية" يعطي الانطباع بأن التوقيع على الدولة اليهودية الخالصة والنقية، يعني أن هذه المقدمات تفترض إخلاء الفلسطينيين من أرضهم بكل الوسائل حتى تتم صفة هذه الدولة الخاصة للعرق اليهودي وحده..
وحتى لو اعتبرنا تلك الكلمات توضع في قاموس الرئيس بوش وتخطيه المعهود في انتقاء الكلمات وانفراده بالأخطاء إن كانت متعمدة أو بحسن نية، فإنه سبق حربه على المسلمين باسم مكافحة الإرهاب ب"الصليبية" ما يعيدنا للمنطق ذاته بنفس المواصفات والنوايا..
هناك رأي عام عالمي، أجمع أن الزيارة لن تخرج عن "بروتوكول" العلاقات العامة، لأن هدم الجدار العازل، وإيقاف المستوطنات، وفتح المنافذ لكسر الحصار على غزة، ثم اعتبار السلام غاية في ذاته لجذب المنطقة للتحالف مع أميركا باسم الدول المعتدلة والمتطرفة، لا يلغي الإجماع العربي، بأن الحقوق الفلسطينية واضحة، ولا تحتاج بعد نصف قرن من المباحثات من أعلى المستويات إلى أدناها، أن لا تكون واضحة، ومحددة المفاهيم والاشتراطات، وحتى تليين المواقف مع إسرائيل بدفع الدول العربية المسماة معتدلة الاعتراف بها، قبل أن نفهم المقابل لهذا الاعتراف، والضمانات التي تقدمها أميركا مكتوبة وملزمة، فإنه لا يوجد كلام فصيح ونقيضه في مسائل محسومة وواضحة، لأن إسرائيل، هي من يجب أن يُطالَب بالاعتراف بالحق الفلسطيني، ثم تقديم ما يفترض أن يكون ضمن لائحة القرارات الدولية، لنخرج من النوايا إلى التطبيق العملي، وحتى الرئيس بوش لا يستطيع أمام ما يشبه الإجماع عربياً وإسلامياً، أن يقدم خاتمة للحروب والمآسي، ليفرك عجلة التاريخ بالإمضاء على سلام قابل للعيش، لأن كوابح إسرائيل أقوى وأكثر نفاذاً من الرغبة الأمريكية..
وفي هذا الإطار من الجدل حول الزيارة، نفهم الظروف التي تمر بها أميركا، وحتى إسرائيل، ليس فقط من خلال الاعتقاد بتغيير موازين القوى مع إيران، أو أن السلام يوقف سيل الإرهاب ويعيد بناء المنطقة على أسس أكثر قابلية للتنمية، والتواصل الجغرافي والإنساني حتى مع إسرائيل، وإنما لأن الرئيس الأميركي، الذي قيدته ضغوط الداخل من خلال الكونغرس والشعب الأمريكي يحتاج إلى أن تساعده دول المنطقة في جعل نهايات حكمه أكثر إشراقاً، ولعل المساعدة تأتي من إسرائيل أولاً والتي تعيش على مساعدات وحماية الدولة العظمى، أن تفاضل بين سلام يحميها ويعطي للدولة العظمى مشروعية أفعالها، أو أن تبقى المسائل معلقة على حل مجهول، ولعل الرئيس بوش، قادر أن يطالب الحلفاء الأخيار بإنقاذ مشروعه، لأن العرب قدموا الكثير من التنازلات، ولم يبق لهم ما يفعلونه إلا أن يروا الحلول واقعية، وليست خيالية مبطنة بوعود وآمال كاذبة..
نعم هناك مصالح تفترض التعاطي مع هذه الأطراف في أرقى أساليب العلاقات، لكن المشكلة مع أمريكا أن إسرائيل تشكل الضمير الروحي لها، وعملية الفصل بين السياسات وتحالف العقائد الدينية مسألة لا يمكن حسمها إلا بمنطق مختلف، وهذا ما يعتبر مستحيلاً وخاصة تجاه العرب..
