تكريم الصحافيين بشهادة تقدير أو درع تذكارية على دورهم الريادي في المجتمع من أجل التوعية والتربية والتثقيف وكشف الحقيقة وكشف التجاوزات والأخطاء فعل حضاري وتصرف يستحق الإشادة وهذا لا يختلف عليه اثنان، أما أن يأخذ التكريم أشكالا أخرى - مبالغ مالية وهدايا عينية معتبرة- فالأمر يصبح تجاوزا خطيرا للمبادئ والأسس والمواثيق الأخلاقية للممارسة الإعلامية.
وإذا كانت النية هي التقدير للمجهود فهذا شيء حضاري كذلك، أما إذا كان الهدف هو كسب انحياز الصحافي للمؤسسة من أجل ذكر الإيجابيات وإخفاء السلبيات وتلوين صورة المؤسسة فالموضوع يخرج عن إطار الأخلاق والنزاهة والالتزام ويصبح تزييفا وفبركة لحقائق ووقائع غير موجودة أصلا. بعبارة أخرى المساهمة في تقديم معلومات وبيانات غير سليمة أو تكون أكبر من حجمها الحقيقي.
فمختلف مواثيق الأخلاق في العالم ترفض جملة وتفصيلا الهدايا المادية التي تعتبر رشوة وإذا قبلها الصحافي فهذا يعني أنه مطالب برد الجميل للجهة التي كرمته، أي «التلوين»و«التبييض» وذكر المحاسن وإخفاء السلبيات.
وما يجب الإشارة إليه هنا هو أن الصحافي عندما يقوم بتغطية أنشطة مؤسسة معينة فإنه يقوم بعمله وواجبه مقابل راتب يتقاضاه من المؤسسة الإعلامية التي يعمل لديها. وبصفته صحافيا فإنه مطالب بإخبار وإبلاغ الرأي العام بما يدور في تلك المؤسسة وفي المجتمع واضعا نصب أعينه المصلحة العامة والبحث عن الحقيقة.
فقبول الأموال كإكراميات وكهدايا يعتبر اختراقا لأخلاقيات مهنة الصحافة ومحاولة لشراء الأقلام وهذا يعني التزييف والتضخيم وإخفاء الأخطاء وتضخيم الإيجابيات وهذا يعتبر تلاعبا بالحقائق وبالرأي العام.
كما تثار من حين لأخر مشكلة العلاقة بين إدارات العلاقات العامة والمؤسسات الإعلامية حيث تحاول أقسام العلاقات العامة استغلال وسائل الإعلام بحثا عن التواجد والحضور الإعلامي والشهرة والعلنية من خلال التركيز على الجوانب الإيجابية في المؤسسة وإخفاء السلبيات والأخطاء والنقائص والتجاوزات.
ويعتبر هذا التصرف مساسا بأخلاقيات كل من العلاقات العامة والصحافة. الإشكال المطروح يتمحور حول الانزلاقات والانحرافات التي آلت إليها الممارسة الإعلامية وكذلك المشاكل والضغوط التي يتعرض لها القائم بالاتصال في عمله اليومي من قبل جهات عديدة ومختلفة شغلها الشاغل هو ابتزاز واستغلال المؤسسة الإعلامية لمصالح ضيقة على حساب إعلام موضوعي، مسؤول، نزيه، ملتزم وهادف.
مثل هذه التصرفات تؤدي إلى انزلاقات وانحرافات عديدة نتيجة للتربص بالمهنة الشريفة. وهكذا تكون مخرجات المؤسسة الإعلامية في أخر المطاف التضخيم والتسبيح والتبجيل والمدح والإثارة والانحياز في طرح الخبر ومعالجته.
جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م «أن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار ونشرها بأية وسيلة كانت دون التقيد بالحدود الجغرافية».
ويقول سقراط «لكي تكتشف الفضيلة لا بد أن تعرف نفسك وتعرف الآخرين، فهذا هو الخير الأعظم للإنسانية»، ويرى أفلاطون أنه يمكن الوصول إلى الحقيقة من خلال المناقشة الحرة. وهذا يعني أن حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والسوق الحرة للأفكار هي مستلزمات لا بد منها للوصول إلى الديمقراطية والرفاهية والازدهار. وللوصول إلى إعلام يستقصي ويكشف عن الحقيقة ويساهم في تشكيل رأي عام مستنير ومسؤول.
إنه من واجب كل مؤسسة إعلامية أن تحمي صحافييها، جنود الخفاء الذين يعملون ويجتهدون ليل نهار بحثا عن الخبر وعن الحقيقة وعن إعلام الجمهور، كل هذا يجعل من «أخلقة» العمل الإعلامي ضرورة حتمية لا بد منها للممارسة الإعلامية النزيهة والشريفة والهادفة.
فكل مؤسسة إعلامية مطالبة بأن تحدد بكل وضوح ودقة المحرمات والمنوعات، واجبات القائم بالاتصال وحقوقه، تتحدد المحاور الرئيسية لميثاق الشرف الإعلامي فيما يلي: المسؤولية، الأخلاق، الدقة والموضوعية، احترام شعور وديانات ومقدسات الآخرين، احترام الحياة الخصوصية لأفراد المجتمع،
حق الجمهور في الأخبار والمعرفة والمعلومات، الالتزام باحترام المهنة والدفاع عنها وحمايتها من كل من يحاول المتاجرة بها أو استعمالها لأغراض غير المصلحة العامة ومصلحة المجتمع ككل، الالتزام بحماية الصحافي وحصانته والدفاع عنه عندما يستدعي الأمر ذلك.
إذا غابت الأخلاق وسيطرت النزوات الشخصية أو السياسية أو المالية التجارية ابتعدت المؤسسة الإعلامية عن خدمة المصلحة العامة وهذا يعني أنها بدلا من أن تكون المراقب العام في المجتمع والمدافع على الطبقات المحرومة تصبح في يد فئة محددة تستعملها وتسخرها لخدمة مصالحها حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة، وهذا ما يؤدي إلى انعدام المصداقية وتدهور العلاقة بين الشرائح الاجتماعية العريضة في المجتمع والمؤسسة الإعلامية.
وتصبح المؤسسة الإعلامية بذلك تعمل في فراغ تام الأمر الذي يؤدي إلى تعثر عملية التأثير والتأثر وانعدامها من أساسها وفي غالب الأحيان يتوجه الجمهور المستقبل نحو وسائل ورسائل إعلامية أخرى ليجد ما لم يجده في الرسالة المحلية. وفقدان المصداقية في العملية الإعلامية يعتبر فشلها من الأساس.
وتنعدم المصداقية في العملية الإعلامية عندما تكثر الضغوط بمختلف أنواعها وأشكالها على القائم بالاتصال، وعندما تكثر التدخلات في عمل المؤسسة الإعلامية من قبل جهات وأطراف ليس لديها أي حق في التدخل في العمل الإعلامي.
تعاني المؤسسة الإعلامية من ضغوط ومن تدخلات ومن تحكم وتوجيه تجعلها مؤسسة تبتعد كل البعد عن جمهورها وعن خدمة المصلحة العامة لصالح المتطفلين - نظرا لنفوذهم السياسي أو المالي الخ. ويصعب هنا الكلام عن الأخلاق أو ميثاق الشرف أو المصلحة العامة إذا كانت المؤسسة الإعلامية تحت رحمة حفنة من أصحاب الجاه والمال والنفوذ.
إن تحديد مهام ومسؤولية المؤسسة الإعلامية وتحديد مهام ومسؤولية القائم بالاتصال في ميثاق شرف شامل وواضح المعالم يعني القضاء على الكثير من الملابسات ومن مناطق الالتباس التي قد تؤدي إلى سوء التفسير والاستخدام.
فالمؤسسة الإعلامية في المجتمع مثلها مثل القائم بالاتصال الذي ينتج الرسالة التي تُقدم للجمهور يجب أن تكون لديها رسالة نبيلة وشريفة لخدمة الحق والمصلحة العامة في المجتمع. يجب على المؤسسة الإعلامية أن تناضل وتعمل جاهدة من أجل تحقيق الاحترام الكامل للمهنة وللمهنيين وإرساء قواعد الممارسة النزيهة والشريفة التي تهدف إلى إبراز الحق وتبيان الباطل،
فإذا كان الهدف النبيل موجود والنية موجودة والمستلزمات متوفرة (قوانين، تشريعات، نقابات مهنية، مواثيق أخلاقية) وكذلك المناخ الديمقراطي وحرية التعبير والرأي،في هذه الحالة يمكن الكلام عن مؤسسات إعلامية فاعلة وعن مناخ سليم ونزيه ونظيف للممارسة الإعلامية.
المؤسسة الإعلامية في المجتمع هي مؤسسة اجتماعية بالدرجة الأولى، ومن هنا يجب أن تعي أنها ليست مجرد وسائل لبيع مساحات للإعلانات وتحقيق الربح السريع وأنها ليست وسائل لبث رسائل وبرامج هابطة لضمان أكبر عدد ممكن من إقبال جمهور المراهقين والشباب عليها.
و إنما وأهم من كل هذه الاعتبارات هنالك مجتمع بكامله بمختلف شرائحه وفئاته ينتظر رسالة إعلامية هادفة ومسؤولة تهدف إلى نشر الثقافة والعلم والأصالة والفكر السليم والتحليل البناء الموضوعي.
الممارسة الإعلامية مهنة نبيلة يجب أن تمارس آخذة بعين الاعتبار كل الأبعاد الأخلاقية والقانونية والتشريعية والمهنية. فالمؤسسة الإعلامية مسؤولة أمام المجتمع وأمام الرأي العام،ومسؤولة مسؤولية أخلاقية كبيرة جدا عندما تضّخم أشياء وتحجب أشياء أخرى، وعندما تركّز على عناصر معينة في الخبر دون غيرها.
وجريمة التضليل والتزييف والمغالطة والكذب أخطر بكثير من أي جريمة أخرى لأن المؤسسة الإعلامية عندما تزّيف أو تضلّل فإنها تكذب على ملايين البشر وليس على شخص واحد، وهنا تكمن أهمية الأخلاق والموضوعية والالتزام والنزاهة في العمل الإعلامي لضمان السوق الحرة للأفكار.
لقد حان الوقت لـ «أخلقة» العمل الإعلامي ولوضع الآليات اللازمة لاحترام العمل الصحافي من قبل الجميع وخاصة المجتمع المدني والنقابات والجمعيات والاتحادات الصحافية وبالدرجة الأولى المؤسسات الإعلامية. يجب على وسائل الإعلام في المجتمع أن تلتزم بالأخلاق وأن تلزم الجميع باحترام هذه الأخلاق وباحترام الحقيقة والرأي العام
كلية الاتصال - جامعة الشارقة