يشكل اتفاق وزراء الخارجية العرب قبل أيام قليلة على خطة لحل الأزمة اللبنانية خطوة في غاية الأهمية لإيجاد مخرج لجميع الأطراف اللبنانية من مأزق الصراع السياسي الداخلي ذي الامتدادات الإقليمية والدولية الذي دخلت في خضمه لبنان منذ أكثر من عام.
الخطة التي خرج بها وزراء الخارجية العرب تبدو متكاملة وتقدم حلولا واقعية وعملية تحرص في جوهرها على مصلحة إحياء دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الديمقراطية والدستورية، حيث ترتكز على ضرورة انتخاب قائد الجيش ميشيل سليمان رئيسا للجمهورية ومن ثم يتم تشكيل حكومة وحدة توافق، لا يملك فيها أي من الفرقاء اللبنانيين القدرةَ على الحسم النهائي في القرارات المصيرية، وتكون كفة الترجيح بيد الرئيس المنتخب.
إنها آلية سياسية جديدة من أجل خلق توازن بين المواقف السياسية المختلفة وإن كانت تخضع للعديد من العوامل المعقدة نظراً لمواقف الفرقاء اللبنانيين والأطراف الخارجية، ولكنها تبقى في ظل الظروف الحالية الخيار الأفضل من بين الخيارات المتاحة مع استمرار الرفض التام لخيارات النصف زائد واحد أو الثلث الضامن ـ المعطل (طبقاً لوجهة نظر الفرقاء).
ثلاثة بنود أساسية جاءت في الخطة العربية لا بد من التوقف عندها وهي:
1- الترحيب بتوافق جميع الفرقاء اللبنانيين على العماد ميشال سليمان مرشحاً لرئاسة الجمهورية والدعوة إلى انتخابه فوراً. إن مبدأ ترشيح العماد ميشال سليمان وافق عليه جميع الفرقاء اللبنانيين ولكن المعارضة تطالب بربط انتخاب سليمان بالتوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية وتحديد البيان الوزاري للحكومة الجديدة
وأن لا يكون سعد الحريري رئيس الوزراء المقبل. بالمقابل تطالب المولاة انتخاب سليمان رئيساً دون الربط بين أية من هذه المراحل. لذلك قد تفشل الخطة العربية لهذه الأسباب إذا تمسكت المعارضة والمولاة بهذه المطالب بشكل مبدئي.
2- تشكيل حكومة لبنانية جديدة بعد الانتخابات الرئاسية تبعاً للدستور اللبناني. وهذا هو مطلب أساسي للمعارضة التي تريد التخلص من الحكومة الحالية التي تعتبرها غير شرعية وغير دستورية منذ أكثر من عام، وتدعو إلى شراكة حقيقية لقيادة لبنان في المرحلة القادمة. وهذا بند غير خلافي بعد ترحيب المولاة والمعارضة بهذا الأمر ضمن بنود الخطة العربية.
3- العمل على انجاز قانون جديد للانتخابات النيابية. هذا مطلب أساسي للمعارضة التي تعتقد أن الانتخابات الماضية لم تعكس على الأرض حقيقة التمثيل السياسي لكافة الفرقاء وخاصة المسيحيين اللبنانيين. وهذا البند غير خلافي أيضاً لأن الموالاة رحبت به بشكل واضح بالخطة العربية.
إن أهمية الخطة العربية تكمن في أنها تستجيب بشكل واضح لفريق الموالاة إذ تدعو إلى انتخاب رئيس جديد فوراً وتضمن لفريق المعارضة تشكيل حكومة وحدة وطنية لا تتمتع الأغلبية فيها بالثلثين ولا تحصل المعارضة فيها على الثلث الضامن وتجعل رئيس الجمهورية هو الحكم والفيصل بين الطرفين كما تستجيب الخطة العربية لمطلب آخر من مطالب المعارضة وهو إعداد قانون انتخابي جديد في لبنان.
ما يزيد من أهمية هذه الخطة أيضاً يكمن في أن الحل العربي تزامن مع ارتفاع حدة التصريحات الأميركية والأوروبية المطالبة بالتدخل الدولي ومزيداً من تدويل الأزمة الداخلية اللبنانية وتحويلها إلى أداة وساحة لصراعات إقليمية يدخل لبنان إلى المجهول ويعرض الشعب اللبناني لمزيد من الخسائر المادية والبشرية.
ولمنع حدوث مثل هذا الأمر فالمطلوب الآن من كافة السياسيين اللبنانيين وقادة الأحزاب والتيارات السياسية أن تتجاوز الطموحات الشخصية والطائفية والإيديولوجية ووضع مصلحة لبنان الدولة والشعب قبل المصالح الضيقة أو مصالح أطراف خارجية،
وهم بذلك مسؤولون أمام التاريخ في هذه المرحلة الحاسمة لتبنى الخطة العربية من أجل منع التدويل وإيقاف تعطيل القرار اللبناني المستقل وفتح صفحة جديدة لينظر اللبنانيون فيها إلى مستقبل من الازدهار والتنمية والاستقرار.
إن الدعم السوري للقرار العربي وتصريحات وزير الخارجية الإيراني التي أوضحت دعم الخطة هي حقائق ومؤشرات إيجابية على وجود رغبة من الأطراف الإقليمية المؤثرة في السياسة اللبنانية في حل الأزمة على أساس الخطة العربية،
كما حصلت الخطة أيضا على دعم من زعيم الأغلبية اللبنانية سعد الحريري ورئيس البرلمان نبيه بري وهذا ما سيجعل الظروف مهيأة أمام أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى لبحث الخطوات التنفيذية للخطة في زيارته المرتقبة إلى لبنان.
إن هذا القبول العربي والإقليمي واللبناني سيضعف من فرص المناورة السياسية لبعض السياسيين أصحاب الطموحات الشخصية ويقضي على سياسة الممانعة غير المفهومة والتي عطلت الدولة اللبنانية لفترة طويلة، لأن رفض الأطراف اللبنانية لهذه الخطة سيقرأ على أنه رفض للقرارات العربية المشتركة ورفض للحل العربي ودعوة صريحة لسياسة التدويل والتدخلات الخارجية.
لقد جاءت الخطة العربية لتقدم خياراً إنقاذياً مهماً للبنان شعباً ودولة والأمل في أن يتمكن جميع الفرقاء السياسيون في لبنان من استثمار واستغلال هذه الفرصة الحقيقية والمنطقية لتجاوز الخلافات والتناقضات والاهتمام بمصالح الشعب اللبناني وحماية مؤسساته الدستورية وفي مقدمتها انتخاب رئيس للجمهورية.
إن مجريات الأحداث منذ العام 2005، عرضت السلم الأهلي وأمن لبنان واستقراره واقتصاده والعلاقات السائدة بين أبناء الشعب وطوائفه إلى العديد من الأخطار في ظل التدخلات السافرة للإدارة الأميركية وفي ظل الشلل الذي أصاب بعض مؤسسات الدولة و انهيار مؤسسات أخرى مما أوجد فراغاً في الرئاسة اللبنانية وعدم اعتراف قطاع واسع من الشعب اللبناني بشرعية الحكومة وانقسامات حادة أصابت المجتمع.
هذا إضافة إلى الفساد الذي طال شتى مناحي الحياة مما جعل الاقتصاد اللبناني يقترب من الانهيار بعد أن وصلت مديونية الدولة لأكثر من أربعين مليار دولار واستفحال البطالة وارتفاع الفقر لقطاعات واسعة من الشعب مما دفع الآلاف من الشباب اللبناني إلى الهجرة هروباً من أوضاع البلد المتردية أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا.
إن المشهد اللبناني القائم حالياً ما زال يوحي بأن الأخطار التي تهدد وحدة الشعب اللبناني مازالت قائمة تدفع إليها وتحركها قوى لبنانية داخلية وقوى دولية ويأتي على رأسها الإدارة الأميركية التي حسمت خيارها على انتخاب رئيس الجمهورية - بالنصف زائد 1- دون الاكتراث للتداعيات الخطيرة التي قد تنجم بسبب هذا الأمر على الكيان اللبناني.
إن المواطن العربي في كل مكان يأمل أن تتابع الدول العربية بشكل جدي وبعيداً عن أية ضغوط أجنبية، وخاصة من الولايات المتحدة التي سيزور رئيسها المنطقة قريباً، جميع مراحل تنفيذ الخطة العربية الإنقاذية حتى يتم إخراج لبنان وشعبه الحي من محنته الحالية.
كاتب وباحث سياسي