يهبط على المنطقة اليوم الرئيس الأميركي جورج بوش في جولة ربما تكون الأخيرة له قبل أن يسلم مفاتيح البيت الأبيض بعد عام إلى رئيس جديد، وإدارة جديدة.
يهبط بوش كالقضاء والقدر وكما «رامبو الخارق» في الأفلام الهوليوودية حاملاً أجندته الخاصة ممنياً النفس بنصر سهل، مهما كان صغيراً واستعراضياً، يعوض من خلاله على إدارته أولاً وعلى حزبه الجمهوري بعض الخسائر والنكسات والاخفاقات التي حققها بنجاح طوال سبع سنوات عجاف، وينسي دافع الضرائب الأميركي بعض مآسيه التي انهالت على رأسه كالصاعقة خلال تلك السنوات.
ماذا يريد المستر بوش؟ ما الأهداف التي لقمه إياها المحافظون الجدد ويحاول تحقيقها خلال جولته التي نظن أنها الوداعية ونتمنى ذلك؟
بوش الغارق في الرمال المتحركة العراقية، والتائه في جبال تورا بورا الأفغانية، والملاحق بجرم انتهاك حقوق الإنسان من أبو غريب إلى غوانتانامو مروراً بالسجون السرية والطائرة، و... بوش الذي جلب للأميركيين العار والكراهية وخسائر فادحة بشرية ومادية، والذي جر حزبه «الجمهوري» إلى مواقع الهزيمة وفقدان الأغلبية في مجلسي الكونغرس: الشيوخ والنواب؛ جورج بوش هذا يأتينا في أواخر أيامه محاولاً التعويض على حسابنا نحن العرب، ومن حسابنا أيضاً!
أكثر من هدف يحاول بوش إنجازه خلال جولته التي تبدأ اليوم: فبعيداً عن المعلن، هناك ما هو مخفي وسري.
فالسيد بوش الذي اكتشف بعد كل هذه السنوات مفردة «جديدة» لم يألفها هي «السلام»، أراد أن يستخدمها في خطابه السياسي، لكنه لم يتقن ذلك فجاءت الأفعال على عكس الأقوال.
فمؤتمر أنابوليس، الذي أعد له بوش على عجل، لم يستطع انجاز وثيقة إسرائيلية ـ فلسطينية تتكون من صفحة واحدة، ولم يطلق عملية السلام المجمدة على المسارات الأخرى، ولم يتوج ـ أي بوش ـ ملكاً للسلام، كما هو ملك للحرب.
لذا فإن بوش هذا يجشم نفسه عناء السفر والتنقل من محطة إلى أخرى في محاولة منه لتذليل العقبات و«سلق» طبخة سلام تناسب الذوق الإسرائيلي وباستخدام بهارات المحافظين الجدد.
قد يكون هذا الهدف هو الثاني من حيث أولويات جدول أعمال الرئيس الأميركي، أما الهدف الأول فهو حشد التأييد العربي للموقف الأميركي من إيران التي يريد أن يصفها بأنها عدو للعرب وليس للولايات المتحدة فقط، أو بالأصح، ليست عدواً للإدارة الحالية ولسياسات المحافظين الجدد.
ولأن إيران من الدول النفطية الخارجة عن دائرة السيطرة الأميركية المباشرة أو غير المباشرة، ولأنها تعتبر قضية فلسطين قضيتها. ولأنها تعارض المشروع الأميركي، والشرق الأوسط الجديد، فهي العدو الرئيسي لإدارة بوش في المنطقة، ويجب أن تكون كذلك بالنسبة لمن تسميهم هذه الإدارة عرب الاعتدال.
لكن الساذج وحده يستطيع الاقتناع بهذا اللا منطق، فكيف تصبح إسرائيل التي تحتل الأرض العربية وتمارس القتل والإجرام والإرهاب صديقة للعرب، بينما تتحول إيران إلى الخانة المعاكسة وهي التي تقف مع الحقوق العربية وترفض الإرهاب الإسرائيلي والسياسة التوسعية السرطانية الإسرائيلية؟!
من غير المحتمل أن يحقق بوش خلال جولته في المنطقة أي هدف جوهري، أو أي إنجاز يعيد الاعتبار إلى الإدارة الأميركية ويبيض صفتحها السوداء إن كان في الداخل أو على الساحة الدولية. جل ما يستطيع فعله، هو صفقة ما ترضي غروره وأطماع إسرائيل معاً ومواصلة سياسة التهديد والترهيب والاتهامات التي سبقت جولته. منها ما هو موجه لسورية ومنها ما هو مخصص لإيران وللقوى والأحزاب والحركات التي ترفض رفع الرايات البيضاء.
مسبقاً نبشر السيد بوش بأن جولته ستمنى بالفشل، لأنها تصطدم بإرادة شعوب المنطقة، لذا ننصحه بأن يحوّلها إلى جولة سياحية يتعرف فيها إلى حضارات الشرق العربي التي يجهلها.. فلربما اكتشف بعد فوات الأوان ثقافات الشعوب وطرائق تفكيرها، والحقائق الجغرافية والتاريخية الغريبة على ثقافة المستر بوش وأركان إدارته.
على الأقل إن فعل ذلك فقد يفيد من دروس التاريخ ويعرف كم كانت سياساته مبنية على خرافات وأساطير، وأن رامبو الأميركي في الأفلام لا يمكن أن يصبح حقيقة في الواقع مهما استعرض عضلاته.
