تحدثنا في مقال الأمس عن التطور الذي تشهده الدولة وما يتطلبه من بذل أقصى الجهود في العمل والإنتاج، وقلنا إن حرص صناع القرار على تحقيق أكبر قدر من الانجازات في زمن قياسي دفع الجميع للعمل لساعات طويلة حتى خلال الإجازات، الأمر الذي ترتبت عليه آثار سلبية على البنية الاجتماعية المتمثلة في الأسرة والعلاقات الاجتماعية، أضف إلى ذلك تأثير نمط العمل الممتد لساعات طويلة على نفسيات الأفراد ومستوى صحتهم التي أصبحت الأمراض المزمنة كالسكري والقلب وارتفاع ضغط الدم تتنازعها.
وقلنا انه قد آن الأوان لنضع حداً لهذه المعاناة لكي لا ينتزع العمل ما تبقى لنا من إنسانيتنا وحاجاتنا الاجتماعية، وذلك لن يكون إلا من خلال مبادرات شخصية، ومن خلال قوانين عمل تضع في اعتبارها البنية الاجتماعية والصحة العامة لأفراد المجتمع، ومن خلال برامج تسعى للترفيه عن الموظفين وأسرهم وتنتشلهم من ضغط العمل وهمومه.
إذا تحدثنا عن المبادرات الشخصية فلابد من الإشارة إلى دور الأفراد في تنظيم ساعات عملهم، فالإنسان يبقى في النهاية إنساناً، ومهما حاول العمل بعد ساعات الدوام المقررة عليه فلن يستطيع التركيز في العمل والانجاز بالقدرة نفسها التي يبدأ بها يومه العملي، والأكثر انه متى اعتاد على ذلك فإننا نستطيع القول انه اختار لنفسه الموت البطيء والإهمال المتعمد لصحته ولواجباته الاجتماعية، وهو الأمر الذي لا تنتظره أسرته ولا وطنه اللذان يحتاجان إليه وهو في أوج حيويته ونشاطه.
عندما يستوعب الواحد منا هذه الحقيقة يصبح بحاجة ماسة لتعاون الجهات المسؤولة التي يعمل فيها والتي ينبغي أن تدرك حاجته للراحة بعد العمل، وحجم المسؤوليات والالتزامات الأسرية والاجتماعية المناطة به والتي ينبغي ألا تقف جهة عمله حجر عثرة أمام تأديتها. إذ انه لا قيمة لعمل يقدمه الموظف دون تركيز، ولا قيمة لإنتاج مهما كانت جودته ونحن نخسر فيه جودة اجتماعية تقوي وتدعم الاستقرار في مجتمعنا لاسيما ان جودة العمل والإنتاج لا ترتبطان بالدرجة الأولى بعدد ساعات العمل بقدر ارتباطها بحرص الموظف وحجم إنتاجيته.
هذا من جانب، ومن جانب آخر نأمل ألا تقوم الجهات المسؤولة التي تنتهي ساعات العمل فيها كحد أقصى عند الساعة الثالثة بعد الظهر بتمديد ساعات عملها أسوة بغيرها لأنها حالياً تخلق نوعاً من التوازن بين العمل والحياة الذي لا نتمنى أن نخسره، فموظفو هذه المؤسسات اعتادوا على هذا النظام، وانتصروا لأنفسهم وأسرهم ولمؤسساتهم لأن ساعات العمل لم تنتزع الكثير من احتياجاتهم.
قد يقول قائل إن ساعات العمل في المجتمعات الغربية تمتد لفترة أطول عن الفترة التي يقضيها موظفونا في العمل، لكننا نقول إن لكل مجتمع خصوصيته وطبيعته المناخية والاقتصادية والاجتماعية، ولا تنبغي محاكاة المجتمعات الغربية في كل شيء، خاصة وان مرتكزاتنا وثوابتنا الاجتماعية مختلفة عنهم كل الاختلاف.
وبعد كل ما ذكرناه من دور للأفراد والمؤسسات في استيعاب مخاطر العمل لساعات طويلة، يبقى أن نطالب في النهاية بإنشاء المزيد من الأندية الاجتماعية والرياضية التي ممكن أن تجد فيها الأسر راحتها بعد عناء أيام العمل فتجتمع فيها بهدوء، بعيداً عن المجمعات التجارية التي أصبحت بيئات طاردة، وبعيداً عن المرافق العامة التي لا تجد فيها الأسر أماكن مناسبة لها إلا في النادر.
البنية الاجتماعية تبقى قوام ودعائم أي مجتمع وخسارتها تعني خسارة روح المجتمع، لذا فإننا نأمل تعاون الجميع لننقذ ما يمكن إنقاذه حتى لا يقضي العمل علينا قبل أن نقضيه.
