للمرة الأولى على امتداد ثلاثين عاما هي عمر السباق، جاء إلغاء «رالي داكار» قبل يوم واحد من انطلاقه الذي كان مقررا في الخامس من يناير الجاري، ليشكل مفاجأة من العيار الثقيل لكل المهتمين والمتابعين لهذا السباق الدولي السنوي، بما في ذلك المنظمون أنفسهم الذين كانت تصريحاتهم المتفائلة، قبل يومين أو ثلاثة من الإلغاء، تؤكد انطلاقة الرالي في موعده وحسب برنامجه المحدد سلفا.

وشكل قرار الإلغاء صدمة، إن لم نقل لطمة، للسلطات الموريتانية التي تلقت تأكيدات المنظمين تلك، بعد إطلاعهم على الترتيبات والإجراءات المتخذة على كل المستويات لتأمين مسار الرالي وحماية المشاركين فيه، على امتداد الأراضي الموريتانية التي تستقبل عادة أكثر من نصف مراحل الرالي الخمس عشرة.

كما شكل الإلغاء صدمة للموريتانيين العاديين، لما يمكن أن يعكسه من تأثير سلبي على صورة موريتانيا باعتبارها بلدا مضيافا يعتبر المواطنون فيه أن إكرام الضيف من كرامة المُضيف، وأنه واجب شخصي (أو عيني) على كل فرد منهم بقدر ما هو واجب المجتمع والدولة على السواء.

فلماذا تم الإلغاء هذا العام؟ وما هي دلالة توقيته؟ وفي أي اتجاه يمكن تفسيره؟

اللجنة المنظمة للسباق بررت إلغاءه بـ «التوتر السياسي الدولي الحالي... والتهديدات المباشرة التي تلقاها السباق من التنظيمات الإرهابية».

لكن ما لم تصرح به اللجنة في بيانها هو أن القرار جاء بعد يوم واحد من التحذير الذي أصدرته الحكومة الفرنسية على لسان الناطق باسمها، حول سفر مواطنيها إلى موريتانيا مؤكدا أن «ما ينطبق على المواطنين الفرنسيين ينطبق أيضا على تنظيم سباق رالي داكار».

لكن أطرف ما جاء في تبريرات هذا القرار، هو ما أعلنته وزيرة الداخلية الفرنسية (وزيرة الدفاع السابقة) إليو ماري، التي أضافت «تعرض السائقين لحوادث في مناطق معزولة أو فقدان الاتصال بهم، بعد أن يكونوا قد ضلوا الطريق»!

فهل كانت هذه الأراضي مأهولة خلال الثلاثين سنة الماضية أكثر مما هي اليوم؟ أم أن وسائل الاتصال في القرن الحادي والعشرين تراجعت عما كانت عليه في السابق إلى هذا الحد؟ وهل المنطقة الآن أقل أمناً مما كانت عليه في السبعينات والثمانينات حين كانت حرب الصحراء مشتعلة وأعمال العنف والقتل الهمجي مستشرية في الجزائر المجاورة؟!

من المفهوم أن تبدي الحكومة الفرنسية حرصها على حياة مواطنيها، واهتمامها بأمن وسلامة المشاركين الآخرين في السباق الذي كانت باريس منطلقه، قبل أن يتحول في الأعوام الأخيرة إلى العاصمة البرتغالية لشبونة. كما أن من المفهوم كذلك أن يزداد هذا الحرص بعد العملية الإجرامية المشينة التي راح ضحيتها أربعة سياح فرنسيين داخل الأراضي الموريتانية في الرابع والعشرين من الشهر الماضي.

لكن غير المفهوم هو هذا التضخيم غير المبرر لحادثة، رغم كل ما فيها من جبن وبشاعة، إلا أنها تظل معزولة وغريبة على واقع وقيم المجتمع الموريتاني الذي تعرفه فرنسا، مستعمرته السابقة، ربما أكثر من الموريتانيين أنفسهم!

وتزداد غرابة هذا الموقف الفرنسي حين يأتي في مرحلة كان يُتصور أن العلاقات الفرنسية الموريتانية دخلت فيها حقبة جديدة من التطور والثقة المتبادلة، بعد ما شهدته موريتانيا من تحول ديمقراطي واستقرار سياسي، وبعد الزيارة الناجحة للرئيس الموريتاني مؤخرا إلى فرنسا، وكذلك النجاح الكبير الذي حققته موريتانيا خلال اجتماع المانحين في باريس الشهر الماضي، والذي رعته فرنسا وشاركت فيه بفعالية على مستوى القطاعين الحكومي والخاص.

فما الذي تغير خلال أسابيع قليلة وغيّر، بالتالي، موقف فرنسا ونظرتها تجاه موريتانيا؟ وهل لذلك علاقة بالرفض الشعبي والرسمي الذي استقبلت به موريتانيا، كغيرها من الدول المغاربية، المساعي الأميركية لإقامة قاعدة عسكرية في المنطقة كان البعض، لاعتبارات جغرافية وسكانية، يرشح موريتانيا لاستضافتها؟ أم أن السر يكمن في الفتور الملحوظ الذي تشهده حاليا العلاقة الجارحة والخارجة عن المألوف بين الدولة الموريتانية والمغتصبين الإسرائيليين؟!

وإذا كان هناك من رأى الأمر انعكاسا للتنافس التقليدي في المنطقة بين فرنسا والولايات المتحدة، فإن مسار العلاقات الفرنسية الموريتانية خلال الأشهر الماضية، والحميمية المفرطة في العلاقة الشخصية والسياسية بين الرئيس الجديد ساركوزي ونظيره الأميركي، كل ذلك ينفي وجود مبرر واقعي لمثل هذا الانقلاب في الموقف الفرنسي.

كما أن الرئيس ساركوزي قد لا يكون لديه الوقت الكافي لمتابعة أوضاع موريتانيا وإعادة صياغة مواقفه تجاهها، وهو المشغول بعشيقته الجديدة ورحلاته الترفيهية معها، في حين تواجه فرنسا مصاعب اقتصادية واجتماعية متنامية، أدت إلى تراجع ثقة الفرنسيين في رئيسهم وتدني شعبيته، ودفعت صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية اليمينية إلى التساؤل «في أي اتجاه سيأخذ البلاد؟».

فهل جاء الإلغاء «الرالكوزي» محاولة للفت الانتباه، ولو مؤقتا، عن واقع العجز السياسي والأزمة الاقتصادية التي تواجه حكومة ساركوزي؟ أم أنه مجرد فصل آخر في مسرحية الترفيه عن سيدة الاليزيه المنتظرة؟