لم تكن مسيرة كتائب شهداء الأقصى (التابعة لفتح) سهلة، على العكس من ذلك فقد كانت على غاية في الصعوبة والتعقيد. وكما شهدنا فقد تعرضت الكتائب لامتحانات كبيرة وخطيرة، ضمنها اغتيال عديدين من قيادييها، وضرب بناها التحتية، وملاحقة نشطائها، ومحاصرة قائدها ومحتضنها ياسر عرفات، وصولا لتغييبه، بالموت، بشكل أو بآخر، هذا فضلا عن وضع مروان البرغوثي (مسؤول تنظيم فتح في الضفة)، في المعتقلات، بدعوى دعمه للكتائب وتأمينه متطلباتها.

لكن مشكلة الكتائب لم تتوقف على ذلك فقط، ذلك أن الأعراض المرضية المتفشية في حركتها الأم (فتح)، سرعان ما أصابتها بعدواها، لا سيما أن هذه الكتائب لم تنشأ أصلا بنتيجة قرار من الإطارات القيادية في هذه الحركة، بقدر ما إنها اعتمدت على علاقتها الأبوية بالزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي قدم لها التغطية المعنوية والسياسية والمادية.

ومثلما أن «فتح» تعاني من الترهل والتسيب والانفلات في بنيتها التنظيمية، عانت كتائب ألأقصى هذه الأعراض وتحولت إلى مجموعات متفرقة، لا رابط بينها، إلا الولاء لفتح وزعيمها ياسر عرفات، لاسيما أنها لم تتأسّس كحالة تنظيمية /عسكرية رديفة. بمعنى أنه لم يكن ثمة جسم واضح المعالم يسمى كتائب الأقصى، ولم يكن ثمة هيكلية أو قيادة محددة لها.

وكما باتت فتح حركة ذات تشعبات ومرجعيات سياسية وتنظيمية مختلفة، بل ومتباينة، أيضاً باتت مجموعات كتائب الأقصى، وكأنها جماعات ضغط، متمحورة حول قياداتها المحلية، من دون أي اعتبار للمرجعية القيادية للحركة، وباتت كل مجموعة وكأنها مركزا قائما بذاته.

أيضا فإن غياب رؤية سياسية استراتيجية لدى فتح، بشأن ما تريده من المقاومة المسلحة، خصوصا أنها انتهجت التسوية، سرعان ما انعكس على مجموعات كتائب الأقصى، التي انفلت لديها التوجه السياسي، وباتت تتصرف وكأن زمان التسوية والمفاوضة انتهى.

وتم التعبير عن ذلك بانتهاج هذه الكتائب نمط العمليات التفجيرية (الاستشهادية)، في محاكاة منها لعمليات كتائب عز الدين القسام (التابعة لحماس)، بدلا من أن تقوم هي بترسيخ خطها المتمثل باستهداف العسكريين والمستوطنين الإسرائيليين في الأراضي المحتلة عام 1967.

ولعل هذا التوجه، الذي يعني خروج فتح والسلطة عن قواعد اللعبة الصراعية مع إسرائيل، التي حددتها الاتفاقات المتبادلة، هو الذي شجّع إسرائيل بدورها على تغيير القواعد الصراعية المعتمدة، وسهل تملصها من عملية التسوية نهائيا، واعتبارها القيادة الفلسطينية ليست شريكا وليست ذات صلة بالتسوية، ما قاد إلى محاصرة ياسر عرفات في مقره في رام الله (من أواخر العام 2001)، وقيامها بمعاودة احتلالها لمناطق السلطة الفلسطينية (مارس 2002).

ولاشك أن كل هذه الأعراض الإشكالية والمرضية أدت إلى إضعاف كتائب الأقصى، وخبو التعاطف معها. أما أسباب تراجع نشاطية الكتائب في المقاومة، وتآكل مكانتها في فتح وفي الساحة الفلسطينية، فلذلك أسباب أخرى، أهمها:

1) تركيز إسرائيل ولفترة طويلة على استهداف نشطاء كتائب شهداء الأقصى تحديدا بعمليات الاغتيال وبعمليات الاعتقال، ما أدى إلى خسارتها لعدد كبير منهم.

2) اعتقال مروان البرغوثي أمين سر فتح في الضفة الغربية، والذي كان له دور كبير في احتضان هذه الظاهرة، والوصل بينها، وبين الرئيس ياسر عرفات.

3) رحيل ياسر عرفات (أواخر 2004) ما كان له أثر سلبي على الكتائب، بالنسبة لافتقادها الدعم الذي كان يؤمنه لها، من الناحيتين المعنوية والمادية، وكونه شكل غطاء ومرجعية سياسية لهم.

4) انفلات ظاهرة الكتائب وتحولها إلى مجموعات متمحورة على ذاتها، وحول قيادييها من دون اعتبار لأية مرجعية قيادية في الحركة الأم (فتح). وقد وصل الأمر في مرحلة من المراحل حد تحدي بعض الجماعات المسلحة في كتائب الأقصى لقيادة فتح ذاتها.

5) غياب إجماع داخل فتح على الاستمرار في دعم هذه الظاهرة، خصوصا بعد تحولها إلى عبء سياسي وميداني على الحركة، بنتيجة خروجها على التوجه السياسي لفتح، وانتهاجها نمط العمليات التفجيرية، ما حمل قيادة السلطة وفتح تبعات وتداعيات خطيرة، نتيجة تحميل إسرائيل لها تبعات هذا التحول.

6) حسم الرئيس أبومازن لمسألة إنهاء المظاهر المسلحة وظاهرة المطلوبين وحل مشكلاتهم الأمنية (مع إسرائيل) والمادية والوظيفية (مع فتح والسلطة).

7) انصراف الفلسطينيين وضجرهم من انفلات الجماعات الميليشياوية المسلحة، التي باتت تتصرف وكأنها قيادة بحد ذاتها، وخارج السيطرة والقانون، مسخرة سلاحها لأغراض المنازعات والهيمنة الداخلية.

8) عودة القيادة الفلسطينية للتعويل على طريق المفاوضات، والمقاومة الشعبية/المدنية، كوسيلة لجلب الحقوق الفلسطينية.

9) انسداد أفق المقاومة المسلحة، واستنزاف المقاومة الفلسطينية لذاتها وإمكانياتها، بنتيجة الإجراءات الإسرائيلية المشددة، وبنتيجة التصعيد غير المحسوب لعمليات المقاومة، وأخيرا بنتيجة التقاتل الداخلي، والانقسام الفلسطيني، الذي نجم عن سيطرة حماس على قطاع غزة في يونيو الماضي.

ويكفي الإشارة في هذا السياق إلى أن عدد القتلى الإسرائيليين الذين لقوا مصرعهم خلال الأعوام 2005 و2006 و2007، بلغ 50 و24 و11 على التوالي؛ وكان العام 2007 هو الأهدأ بالنسبة لإسرائيل، في حين بلغ عدد ضحايا الاقتتال الداخلي حوالي 500 من الفلسطينيين، وهو أكبر من العدد الذي لقي مصرعه بالرصاص الإسرائيلي (375 فلسطينيا).

هكذا يمكن القول بأن الإعلان عن حلّ كتائب الأقصى، كظاهرة مسلحة في فتح، كما جاء في التصريح الذي أدلى به، قبل أيام، اللواء عبد الرزاق اليحيى (وزير الداخلية في الحكومة الفلسطينية)، هو بمثابة تحصيل حاصل لوضع بات قائما، لمسار طويل ومتعرج شقته الكتائب منذ ظهورها في أواخر العام 2000، ولظاهرة استهلكت وتآكلت، بنتيجة إشكالاتها التكوينية والسياسية والتنظيمية.

وكانت قيادة فتح والسلطة سارعت إلى انتهاز ضائقة كتائب الأقصى، بعد انسداد أفق المقاومة المسلحة، وبعد استنزاف مجموعات المقاومة، لإيجاد نوع من الحلول، أو المخارج، التي تسمح بالانتهاء من هذه الظاهرة تماما.

وقد اشتغلت السلطة على عدة أصعدة، حيث تم التوافق مع إسرائيل على وقف عمليات الملاحقة والاغتيال لنشطاء كتائب الأقصى، لمرحلة معينة.

كما تم فتح نقاش مع مجموعات الكتائب لإقناعهم بتسليم أسلحتهم والتجمع في مقرات حددتها السلطة سلفا، باعتبارها أماكن آمنة، وصولا لإمكان دمج هؤلاء النشطاء في أجهزة السلطة الفلسطينية، وحل مشكلاتهم المادية ومتطلباتهم المختلفة.

وكما هو معلوم فقد استجابت غالبية نشطاء مجموعات الكتائب لنداء قيادة فتح والسلطة، لأسباب ذاتية وموضوعية، ولعل هذا هو معنى قول اليحيى بأنه: «جرى حل كتائب شهداء الأقصى بالاتفاق، وليس بالقوة».

وكان الرئيس محمود عباس اتخذ موقفا حازما بشأن حلّ جميع التشكيلات والمجموعات العسكرية وشبه العسكرية عقب سيطرة «حماس» على قطاع غزة بالقوة المسلحة في يونيو الماضي. وهو ما أشار إليه وزير الداخلية بقوله: «لا سلاح سوى سلاح السلطة، ولا تشكيلات عسكرية خارج السلطة».

في كل الأحوال فقد شكل انخراط حركة فتح، عبر كتائب الأقصى، إشكاليات كبيرة وخطيرة، للقيادة الفلسطينية وللرئيس ياسر عرفات، شخصيا، كونه رئيسا للسلطة وزعيما لحركة فتح، وحاضنا لكتائب الأقصى.

وكما قدمنا فإن هذا الأمر أضعف من صدقية توجه عرفات نحو المفاوضات والتسوية، على الصعيد الدولي، وخدم مساعي إسرائيل في تقويض مؤسسات السلطة واستهداف رئيسها وعزله. ولكن انخراط هذه الحركة في المقاومة ساهم في تعزيز دورها، وإعادة الاعتبار لها، كحركة تقود العمل الوطني الفلسطيني، كما ساهم في تحقيق التوازن بين التيارين الوطني والإسلامي في الساحة الفلسطينية.

وربما أن مشاركة فتح في المقاومة المسلحة، عبر أذرعها العسكرية، وضمنها كتائب الأقصى، كان يمكن لها أن تكون أكثر فائدة من حيث جدواها السياسية لو أنها تخلصت من العفوية والمزاجية والتشتت في جهدها، وتمسكت بتعزيز نهج المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967، وخصوصا لو كان ثمة مجال لهامش أمام نشوء قيادة ميدانية مستقلة تحيّد السلطة وقيادتها عن تبعات عملها الميداني المقاوم.

كاتب فلسطيني