تتعامل الولايات المتحدة الأميركية مع العالم وكأنه فرائس يجب اقتناصها قبل أن يقتنصها الآخرون،ومن هذا المنطلق نجدها تسعى بدأب نحو جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق محاولة السيطرة عليها تخيلا منها أن روسيا تريد بسط نفوذها على هذه الجمهوريات واستعادة إمبراطوريتها السوفييتية المنهارة.
ومن هذا المنطلق تدعم واشنطن كافة الحركات الانقلابية والمعارضة في هذه الجمهوريات،وإن لم تجدها تذهب بنفسها لتشكل مجموعات معارضة تصبغها بألوان وردية وبرتقالية وبنفسجية وغيرها وتدعم قادتها بالمال ليتحمسوا في حشد الجماهير ضد الأنظمة الحاكمة بهدف الاستيلاء على السلطة وتقديم فروض الطاعة والولاء لواشنطن والبيت الأبيض،وذلك بغض النظر عن رغبات الشعوب ومصالحها وخياراتها.
روسيا مثل باقي الدول الكبيرة،لها مصالحها في الداخل والخارج أيضا،ومن حقها أن تحمي مصالحها طالما أنها لا تتدخل في شؤون الآخرين،ولكن على ما يبدو أن عقلية الحرب الباردة ما زالت هي السائدة في الفكر السياسي الغربي.
حيث ترسخ لدى الكثير من الساسة الغربيين وبقوة فكرة تطلعات روسيا الإمبراطورية،مع أنه بقليل من النظر والتحليل لأوضاع روسيا وتوجهات سياستها الحالية يتبين لنا أن كل شيء هناك مكرس للبناء والنهوض الداخلي في روسيا نفسها.
وأن الكرملين ليس لديه لا الإمكانيات ولا حتى الوقت للتفكير في التدخل في شئون الآخرين،ومن يتصور أن روسيا سوف تفكر في تكوين الإمبراطورية بعد أن تعيد بناء نفسها فإنه لا يكون فقط مخطئ في تصوره بل يكون فاقدا للقدرة على قراءة الأوضاع والظروف الدولية ومتغيراتها الكبيرة التي أصبحت لم تعد تسمح بهذا التفكير الآن،فالعالم تغير كثيرا جدا عن زمن الحرب الباردة الماضية،وما يحدث في العراق ومع إيران وغيرهما يؤكد ذلك ، والفشل الأميركي الواضح خلال السنوات الأربع الماضية منذ غزو العراق يؤكد ذلك .
لقد تراجعت الطموحات والمصالح السياسية والإستراتيجية كثيرا وأخلت مكانها للمصالح الاقتصادية المتبادلة والتعاون المشترك،فقد انفتح العالم اقتصاديا وبسرعة أكثر مما كنا نتوقع،ولم يعد هناك مجال للتفكير في تكوين الأحلاف العسكرية ووضع الإستراتيجيات التوسعية وتكوين الإمبراطوريات،بل أصبح الشغل الشاغل لجميع دول العالم صغيرها وكبيرها هو البناء الاقتصادي حتى تتمكن من الاندماج في النظام العالمي الجديد الذي تتراجع فيه القوة العسكرية كثيرا أمام القوة الاقتصادية.
السياسة الأميركية الحالية هي الوحيدة في العالم التي مازالت تنتهج نهج الحرب الباردة وتسعى للهيمنة والسيطرة والتدخل في شؤون الآخرين ، وما تفعله في الشرق الأوسط وفي جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق خير دليل على ذلك، ولو أخذنا مثال أوكرانيا أقرب الجمهوريات السوفييتية السابقة لروسيا تاريخا وثقافة وعقيدة ولغة والمرتبطة بها اقتصاديا أكثر من غيرها ، سنجد أن ما تفعله واشنطن هناك لا يمكن وصفه إلا بالعبث المجنون الذي من الممكن أن يضر بمصالح الشعوب المتجاورة المتحابة لصالح قلة قليلة منتفعة ببضع ملايين من البيت الأبيض .
لقد أوضح الرئيس الروسي بوتين موقف بلاده من الأزمة في أوكرانيا وصراع البرتقاليين الموالين لواشنطن من أجل السلطة والمصالح الشخصية على حساب مصالح الشعب الأوكراني،وفي حديثه مع مجلة تايم الأميركية يقول بوتين «إن الولايات المتحدة مذنبة بتقسيم أوكرانيا إلى شطر «موال للغرب» وآخر «موال لروسيا».
وقال: «لقد تصورت الولايات المتحدة لسبب ما أن ثمة في أوكرانيا قسما من النخبة يميل إلى أميركا وآخر - يميل إلى روسيا فقررت تأييد ذلك القسم الذي اعتبرته مواليا لأميركا أي «الثوار البرتقاليين». ويرى الرئيس الروسي أن مثل هذا التقسيم غير صحيح وأشار إلى أن السياسي الأوكراني الذي يتطلع إلى كسب الشعبية داخل بلده ملزم بالذود عن المصالح الوطنية وأن يكون قوميا أوكرانيا بالمعنى الإيجابي للمصطلح. وهم هكذا فعلا وليسوا موالين لروسيا أو لأميركا أو لأوروبا بل إنهم أوفياء لأوكرانيا».
وأضاف بوتين قائلا «لم تختلق الولايات المتحدة مثل هذا التقسيم في أوكرانيا فحسب بل وأيدت بعض السياسيين في أوكرانيا في أعمالهم غير الدستورية مما أثار عدم الثقة المتبادلة بين مختلف القوى السياسية ومختلف فئات السكان في أوكرانيا، وبأعمالهم هذه بدأوا في تحطيم أوكرانيا ووحدة أراضيها ونسف سيادتها. وها هي ذا ثمار أعمال الولايات المتحدة في أوكرانيا».
من الواضح أن بوتين يؤكد على حياد روسيا التام تجاه جيرانها ، والواقع أن روسيا في عهد بوتين تنظر لجيرانها الفقراء الضعفاء على أنهم من الممكن أن يشكلوا عبئا ثقيلا عليها وعلى اقتصادها النامي،وأن روسيا الآن ليست الاتحاد السوفييتي السابق الذي كان يعطي بلا حدود حتى أصابه الفقر والوهن والانهيار.
ولهذا نجد بوتين يقول في حديثه «عندما رأى الجميع أن الوضع في أوكرانيا يتزعزع حاولوا بغية تجنب تفجير الوضع نهائيا في البلد أن يحملوا روسيا على الدعم المالي للاقتصاد الأوكراني بتسييسهم قضية إمدادات موارد الطاقة»، ويوجه بوتين كلامه للغربيين قائلا « إذا أردتم تأييد أحد ما فادفعوا ثمنه. ولكن أحدا لا يريد الدفع».
ويحكي قائلا « كنت أتحدث ذات مرة مع أحد الزملاء الأوروبيين وهو وزير اقتصاد معروف فقلت له: إذا كنتم تريدون ولاء الدول والشعوب لكم ساعدوهم على بناء اقتصادهم وادعموهم بالأموال وافتحوا لهم أسواقكم لتستقبل منتجاتهم المتواضعة . وأجابني الوزير على الفور قائلا : أتتصورنا بلهاء ؟ قلت له : إذا لماذا تريدون منا أن نكون نحن البلهاء والمجانين الذين ندفع وندعم الشعوب لتستولوا أنتم عليهم ؟».
وأعاد الرئيس الروسي إلى الأذهان أن روسيا بأسعارها المخفضة لموارد الطاقة كانت طيلة 15 عاما تقدم إلى الاقتصاد الأوكراني دعما يقدر ب3-5 مليارات دولار سنويا.
وأكد بوتين أنه بالرغم من قرب نمط تفكير روسيا وأوكرانيا التي يعيش فيها 17 مليون شخص من الأصل الروسي (من مجموع 45 مليون نسمة من السكان) والتي يعتبر 80 بالمئة من سكانها اللغة الروسية لغتهم الأم، فإنه لا وجود إطلاقا لأية نية لدى روسيا لضم أوكرانيا إليها .
وقال بوتين «لا نريد أن نضم أي كيان آخر إلى قوام روسيا لأن هذا سيعني فقط أعباء اقتصادية إضافية بالنسبة لنا».
كاتب ومحلل سياسي أوكراني