«الشرق الأوسط الكبير» أو الموسع تعبيران يشيران إلى التصور الذي طرحته أميركا لإعادة هيكلة منطقة من العالم تشمل العالم العربي وإيران وباكستان وتطال متغيراتها تركيا، ومع طرح الفكرة ضمن ردود الفعل الأميركية على أحداث الحادي عشر من سبتمبر واجهتها عاصفة من الرفض القوي من النظام الرسمي العربي والمثقفين معا وأصبح في حكم المؤكد أن تفاهما عربيا أميركيا على المشروع ليس محتملا - على الأقل - في المدى المنظور.

وقد طرح الأوروبيون أكثر من فكرة لتحل محل المشروع الأميركي كمشروع تحالف الحضارات الذي طرحه رئيس الوزراء الإسباني ثاباتيرو والمشروع المتوسطي الذي يطرحه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.

لكن أميركا لم يكن لديها الصبر لكي تجرى مفاضلة العرب بين المشروعين، ولا التمهل حتى تصل إلى نقطة تراض معهم حول مشروعها بل بدأت فعلا في صياغة ما أسميه «الشرق الأوسط البديل»، وهي عملية إعادة هيكلة أحادية الجانب تتقدم ببطء ووسط مخاطر كبيرة، أهمها الموقف العربي المكتفي بشجب المشروع الأميركي للشرق الأوسط، كبيرا كان أو موسعا!

التفاهم والتخلي والتغيير

أول ملامح الشرق الأوسط الذي تحاول أميركا بناءه تغيير خريطة التحالفات القومية في المنطقة، فعبر عقود كان الخيار الأميركي الرهان على العرب في المناطق التي تشهد صراعا قوميا (العرب والكرد في العراق - العرب والأفارقة في السودان) لكنها بدأت تنقل الرهان على البديل الآخر في الحالتين، قد ينظر البعض إلى هذا بوصفه مراهنة على الأقليات وهو في تقديري معيار تصنيف مضلل، فهناك أقليات عديدة لم تفكر واشنطن في إقامة أي جسور معها ولم تجعلها ضمن تصوراتها للمستقبل.

في الوقت نفسه جرها الرهان على الأكراد إلى تقاطع مصالح عميق مع الأتراك الذين يشاركون القوميين العرب المتشددين معاداتهم للأكراد.

لكن «التخلي» عن العرب - وهو تعبير أعترف أنه ينطوي على تجاوز ملحوظ - يقابله استراتيجية أخرى في التعامل مع تركيا هي «التغيير» فهناك تبادل أدوار شديد الذكاء بين الأوروبيين والأميركان هدفه تغيير تركيا لتصير أكثر انفتاحا وديمقراطية لتستطيع التكيف مع المتغيرات الجديدة.

وهناك مطالبات متوالية بإحداث تطوير تشريعي آخر فصوله حتى الآن تعديل قانون مثير للجدل حول حرية التعبير في تركيا وهو المادة 301 من قانون العقوبات التي تجعل «اهانة القومية التركية» جريمة وقد استخدمت لمحاكمة مؤلفين ومفكرين أتراك وهو ما انتقده الاتحاد الأوروبي مرارا مبررا ذلك بأن من شأنه أن يبطيء محادثات الانضمام التركي إلى الاتحاد.

ويقول منتقدون إن الحكومة التركية تتباطأ خشية أن يطلق تعديل القانون رد فعل قوميا. وهذا التعديل في النهاية جزء من حزمة تغيرات رعتها أميركا المتحالفة مع حكومة أردوغان يطلق عليها المحللون الغربيون «الانقلاب الأبيض».

ورغم كل ما شهدته السنوات القليلة الماضية من تصعيد إيراني أميركي فإن خيار «التفاهم» ما زال واردا مع إيران، فالأميركيون لا ينسون الطريقة البراجماتية التي تعامل بها الإيرانيون مع التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان والعراق وكلاهما على حدودها، ولعل المقترح الروسي في ملف تخصيب اليورانيوم يكون مرجحا لخيار التفاهم، وبعض التصريحات الإيرانية الرسمية عن تحييد سلاح النفط في سوء التفاهم الحادث مع أميركا قد يكون «شعرة معاوية» التي يستخدمها الإيرانيون لإنضاج خيار «التفاهم» وقد جربوه مع الأميركان مرتين في سنوات معدودة.

قليل يصلح المعدة

لكن السيناريو الجاري تنفيذه للشرق الأوسط البديل لا يخلو من فكرة «الصدام» كخيار وارد، وهو وارد على طريقة المثل العربي «قليل منه يصلح المعدة»، وقليل منه قد يصلح الخطة. والصدام وارد أولا في العلاقة مع تركيا إذا فشل سيناريو التغيير وخرج التوتر القائم على الحدود العراقية التركية عن السيطرة فعندئذ.... لكل حدث حديث!

لكن الصدام أكثر ورودا في منطقة على تخوم الشرق الأوسط «البديل» هي البلقان التي تشهد تحالفا تتوثق عراه بين الألبان والولايات المتحدة، وقد فوجئ كثيرون عندما قام رئيس الوزراء الألباني بزيارة للعراق لتفقد جنوده هناك، فهذه أول مرة يتم تسليط الضوء على حقيقة أن الألبان - وهم مسلمون - شاركوا في إطاحة النظام العراقي، وهي حقيقة قد لا يكون لها أية أهمية عسكرية قياسا إلى العدد الرمزي من جنودها، لكن دلالاتها المعنوية: دينيا وسياسيا وثقافيا، عالية جدا.

فبعد أن عاشوا عقودا تحت حكم واحد من أشد الأنظمة الماركسية تشددا في العالم أصبح الألبان خلال سنوات معدودة حليفا قويا لأميركا بل يسعون بجدية للانضمام لحلف شمال الأطلنطي (الناتو) وإذا حدث فستكون أول دولة مسلمة تنضم للحلف.

كما أن مشروع استقلال إقليم كوسوفا الذي تدعمه أميركا يرجح أن يقترن بأن يطلب مسلمو الإقليم حماية أطلسية. والتصاعد المستمر في الخلاف حول ملف كوسوفا يمكن أن يؤدي إلى توجيه ضربة عسكرية للصرب كتلك التي حدثت عام 1999، فلأول مرة يجد الأميركيون قومية يمكنهم التحالف معها في منطقة كانت لعقود منطقة نفوذ سوفييتي ويريد الروس الاحتفاظ بها بأي ثمن.

وهكذا.... الأميركيون من طرف واحد ودون اتفاق مع العرب يعيدون هيكلة الشرق الأوسط والتخوم المحيطة به عبر آليات «التفاهم»، و«التغيير» و«الصدام»، وبالتالي يغيرون حلفاءهم. وحتى الآن فإن نصيب العرب من هذه العملية الضخمة «التخلي»، فباستثناء العلاقات المتميزة مع دول الخليج تبدو أميركا كما لو كانت قررت أن تعطي ظهرها لفكرة «تغيير العرب» وأن تنصب أوتادا أخرى لخيمة مصالحها.

مصير العالم

والفهم والتحليل بالطبع لا يعني القبول أو إسباغ المشروعية، لكن ما أخشاه أن تتغير الخريطة المحيطة بنا جذريا ونحن مكتفون بـ «بلاغة التفنيد» وتأكيد المواقف المبدئية. بل إن هناك من يوجه أصابع الاتهام لنا فيما يحدث.

ومبكرا جدا قال المفكر الإسلامي المصري الراحل جلال كشك إن المسلمين كان يمكنهم تغيير مصير العالم لو انحازوا في وقت من الحرب الباردة لأي من طرفيها إذن لرجحوا كفته على نحو مؤكد، أما محمد حسنين هيكل فيصوغ المعنى نفسه بعبارة أخرى قائلا إن أية قوة دولية لا تستطيع أن تثق في العرب وتسير معهم إلى «آخر الشوط».

أما المفكر القومي المصري المرموق الراحل الدكتور جمال حمدان فكان - كما هو دائما - أكثر قسوة وأكثر جذرية فاعتبر أن هزيمة العرب في 1967 هي المسمار الأول في نعش الإمبراطورية السوفييتية وأنها لم تستطع بعدها أن تستعيد مكانتها السابقة.

إن المشكلة هي في المقام الأول في التبسيط المخل الذي يعتبر كل حديث موضوعي عن المتغيرات الإقليمية تسويغا أو تسويقا لمخططات الغير، فنحن لم نألف الصبر على تجرع مرارة الاعتراف والمراجعة واتهام النفس.

كاتب مصري