دعوني اليوم ولمناسبة تاريخية رائعة، أذيع أسرار نجاح زعيم عربي متميّز، إذ غدا واحداً من أبرز زعماء هذا العالم الناجحين في الأداء والكاريزما والتكوين، متمنياً ان يجد بقية الزعماء العرب القدماء والمحدثين في منهج زميلهم وحيويته واستنارته ضوءاً أخضر يتبعون سبيله إلى حيث إتاحة فرص الاستفادة، وفرص النجاح عندهم متاحة ان تمتع أي زعيم بسمات القيادة الحقيقية خصوصاً إذا كان الرجل يتملكها منذ صغره ونشأته، لا ان ينتهي إلى الزعامة من خلال أساليب غير مشروعة اعتدنا عليها على امتداد خمسين سنة مضت.
ان سمات القيادة، كما يطرحها العلامة الألماني ماكس فيبر، ينبغي ان تكون مؤثرة وجاذبة، وعندما تصبح كذلك فإنها تنتقل إلى دور الريادة، وهنا تكون قد سحبت ولاء الناس ومحبتهم كونها قدّمت لهم ما يحتاجونه، ولا يمكن لأي زعيم ان يكون رائداً إلا بعد انجذاب الجماهير بسحره وامتلاكه الكاريزما الريادية، والكاريزما لا تولد من فراغ، فما الذي يتمتع به صاحبها حتى تتبلور وتؤسس نفسها؟
سنجده إنساناً بسيطاً يعيش بين الناس لا يترفع عليهم ولا يتعالى عنهم، سنجده رجلاً مهموماً بقضايا بلده ودائم القلق عليها، يحترم ماضيها ويحرص على مستقبلها حرصه على حاضرها، سنجده يعشق الناس ويعتبرهم جميعاً أهله وخلانه من دون أي تفرقة وتمييز إلا ما يخص الكفاءة والإخلاص، سنجده يقّدس ترابه وسمائه وبحره ونهره وكل ذرات رمله، سنجده يسعد شعبه ويناضل ليس من أجل إشباعه فقط، بل من أجل رخائه ورفع مستوى معاشه.
ان الكاريزما لا تنفع ان لم يحافظ عليها صاحبها من هول التحديات، وذلك بتطوير نفسه مع الزمن، وإبقاء الناس تحترمه وتسحر به من دون تسويق نفسه بينهم، وان يحرص على عدم ارتكابه أخطاء كبيرة تفقده رصيده وسحره الريادي، انها مهمة خطيرة وصعبة في آن واحد، وقد تكون مدّمرة في أحايين عدة. فالريادة لا تخلق صاحبها بالكلام الفضفاض ولا بالخطابات المعسولة.
ولا بالانفعالات الصاخبة ولا في التظاهرات المليونية ولا في الأغاني الوطنية، ان الزعامة الحقيقية تترفع عن الصغائر دوماً، ويسبق صاحبها عمله قوله، وان يكون واقعياً في التعبير عما يمكنه انجازه بلا أي وعود للشعب والشعب ينتظر.
الزعيم الحقيقي يحرص على مصالح بلاده العليا والدنيا معاً، فلا يعّرض بلده وشعبه للمخاطر والتهلكة ان كان لا يعرف كيفية النجاة وسط الإعصار ان حدث، وان لا يتورط بمشكلات الآخرين من البعداء والأقربين، حتى لا يصيبه نارهم ويلحق به شرارهم، ان الزعامة الحقيقية لا تأتي عبر الأوهام.
بل في ان تستغل كل دقيقة من الزمن الثمين في توليد المشاريع تلو الأخرى، وان تطور ما كان قد ولد وان تراقب عن بعد أو قرب ما يجري لمشاريع للإسراع في الانجاز لتستقطب دور الحضاري قبل ان يفوت القطار، الزعامة الحقيقية في ان يحلم صاحبها بما يمكن ان يكون ويحصل لا بما لا يمكن حصوله، أي باختصار ان يكون الزعيم واقعياً لا طوباوياً في رؤيته لكل الأمور، وان يكون مختزلاً للكلام في ما قل ودل من دون أطناب ولا إسهاب.
وكم هو رائع ان يعتمد أي زعيم ذكي على الأكفاء المخلصين من أبناء نخبة بلده نساءً ورجالاً من دون تفرقة على أساس القبيلة أو المدينة أو العائلة، كما عليه ان لا يّجمع من حوله محاسيبه ومناسيبه، الزعيم الحقيقي يبحث عن النادرين من الرجال والنساء ليضعهم في مكانهم المناسب، ويمنحهم الصلاحيات الكاملة التي تجعلهم يسّيرون البلاد واحدهم تلو الآخر.
أي توزيع المسؤوليات من دون حصرها في مكتبه، الزعامة الحقيقية ان لا تصنع أي قرار تكتيكي أو استراتيجي من دون استشارة بعض المختصين والمقارنة بين آرائهم كي تتخذ الرأي الأصوب، وخصوصاً في المشاريع الكبرى.
الزعامة الحقيقية تكمن في كيفية حرصك على أمن بلدك وشعبك من كل النواحي، الزعامة الحقيقية ان يكون صاحبها منفتحاً على الجميع، فليس من الصواب أبداً ان يمّيز مكان على مكان، ولا أي اتجاه على آخر، ولا أي فكر على آخر، أي بمعنى: تلك الزعامة المنفتحة على كل أبناء البلد من دون التزام خط معيّن على غيره.
والأكثر من هذا وذاك ان لا تكون ملتزماً بايدولوجيا سياسية غريبة قد تعلو منزلتها اليوم وقد تخونك غداً، ينبغي أيضاً احترام الدين والمبادئ والتاريخ المجيد، وان الالتزام الأخلاقي بالتقاليد الراقية جزء من المعادلة المطلوبة.
الزعامة الحقيقية ان تنفتح أيضاً على العالم، فمن يفتقد هذا الوازع، سيعاني أبناء شعبه من العزلة في عالم اليوم كونه يؤمن بالانغلاق، فما بالك ان كان منغلق التفكير وأحادي الرؤية؟
ان الانفتاح على العالم ليس معناه وضع كل ما لك وما عندك في سلال الآخرين، بل السعي لكي تجعل بلدك مشاركاً هذا العالم المعاصر فعالياته وأنشطته، فالدولة في المجتمع الدولي كالإنسان في المجتمع الإنساني، لا يمكن ان يكون للإنسان أي دور عالمي ان لم يتعب ويناضل ويتفوق لكي يسهم بإبداعه ونشاطه وسط هذا العالم، كذلك الدول.
وهنا يتبدى ذكاء أي زعيم إذ انه يراقب كم هي المنافسة شديدة في زحمة هذا العالم الذي يتسارع تاريخياً بشكل لا يصدق في مجمل تطوراته وأساليب الكسب!
ان الزعامة الحقيقية هي التي تكتسب فرص النجاح والانتصار ليس بصور تجميلية ودعائية وشكلية، بل بمضامين بنائية مبهرة يجبر صاحبها العالم كله كي يلتفت إليها، انها لا تصنعها الشعارات بل تصنعها مكارم الأخلاق وسجايا النفس ونفائس الحكمة وحيوية العمل، عند ذاك سنصفق حتماً لمن يأتينا بالثمرات اليانعة.
مؤرخ عراقي