يخطئ من يظن أن الحملة السياسية الشعواء التي شنها «حزب الله» على شخص رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة، والتي سبقت الإعلان عن الحل العربي المقترح بمشاركة سورية للأزمة اللبنانية.
هي حملة شخصية تستهدف استدراج الرجل الذي بكى يوماً أمام العدسات حزناً على الشهداء والضحايا والدمار الذي حل في لبنان خلال حرب ـ يوليو 2006 بين «حزب الله» وإسرائيل، ذلك أن الرئيس السنيورة يدرك تماماً أن قضية تنحيه الآن هي أمر سياسي محلي وعربي ودولي مشترك وليست أمراً مزاجياً، بقدر ما يدرك «حزب الله» ذلك إلى جانب إدراكه أن فؤاد السنيورة في يوليو 2006 هو غير فؤاد السنيورة في يناير 2008، ذلك أن هذه الحملة.
على غير ظاهرها، لا تحمل أهدافاً شخصية بل أهدافاً سياسية ـ أمنية، وهي لا تشكل استفزازاً لرئيس الحكومة بقدر ما تشكل استفزازاً، أو في أقله تهديداً باستفزاز الغرائز الطائفية والمذهبية التي يشكلها موقع رئيس الحكومة، فالتوتر الذي سبق هذه الحملة والذي شهدته بعض المناطق في العاصمة اللبنانية كان سببه الاحتقان المذهبي الذي يعانيه الشارع البيروتي.
وقد أمكن تطويقه بقوة حرص الأطراف السياسية المعنية على عدم الانتقال بالمعركة إلى أبعادها الطائفية المجهولة النتائج.
وقد يكون من حق «حزب الله» أن يستبق، وأن يفرض توقيت معركة تستهدف سلاح المقاومة تحضيراً لـ «سلام إقليمي» مزعوم ربما تكون مفاوضات أنابوليس قد رسمت خطوطه العريضة، طالما أن هذه المفاوضات لم تمنح حتى الآن تطوراً نوعياً على مسارها الفلسطيني ـ الإسرائيلي يبشر بالخير.
أو فلنقل يبشر بمصلحة عربية ما على سائر مساراتها الأخرى، ولكن ما لا يحق لـ «حزب الله» التلويح أو التهديد به هو إسقاط السلم الأهلي في لبنان على طريقة «عليّ وعلى أعدائي»، ولذلك فإن جوهر الردود الفورية على هذه الحملة سارع إلى الاحتكام إلى تقدير وموقف الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله الذي أعتاد اللبنانيون انتظار الكلمة الفصل منه في المنعطفات اللبنانية المصيرية، إلا أن الكلمة هذه جاءت هذه المرة من رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أعلن أن لبنان أمام حلين دولي وعربي وأنه مع الحل العربي.
كما جاءت كلمة الفصل الثانية من وزير الخارجية السورية وليد المعلم الذي أستبق اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير بالإعلان أن الحل لأزمة انتخاب الرئيس في لبنان ليس عند سوريا بل عند المرشح الرئاسي النائب ميشال عون.
وإذا كان موقف الرئيس بري قد جاء في أعقاب لقائه مع أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، فإن لقاء ركني «حزب الله» النائب محمد حسن خليل والمعاون السياسي لأمين عام الحزب حسين خليل مع ممثل مرشد الثورة الإسلامية في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني يحمل بدوره دلالة واضحة في إيجابيتها كونه عقد في دمشق.
إذن بات الحل العربي الذي أوصى، بموافقة سورية، بانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية اللبنانية في مواجهة إصرار عون على ترشيح نفسه أو الانسحاب وفق شروط تصر الأكثرية النيابية على رفضها.
والأسئلة البديهية اليوم هي: هل منح الحل العربي الذي أوصى بالعماد سليمان رئيساً مخرجاً مشرفاً لتصلب العماد عون؟ وهل سيتيح الأخير للحل العربي بأن يأخذ مجراه إلى التنفيذ أم أن وجود الكرة في ملعبه سيمنحه مزيداً من التصلب؟
وأي موقف سيتخذه «التيار الوطني الحر» الذي يرأسه عون في حال كانت مؤشرات قبول حركة «أمل» و«حزب الله» بالحل العربي حقيقية وخارج أية مناورة سياسية الأمر الذي يعطل المفعول العملي لموقفه المعارض؟
أما السؤال المفاجئ فهو: هل يعيد التاريخ ذاته فيفرض على عون العودة إلى منفاه الباريسي طوعاً هذه المرة بعد أن انتقل إليه في السابق قسراً في أعقاب اتفاق الطائف العربي؟ مجمل هذه الأسئلة ـ التساؤلات يعتبر أمراً مشروعاً طالما أن لا حل لأزمة من غير ثمن.
ولا شك أن للحل العربي في لبنان، والذي بات حلاً محلياً ـ عربياً ـ دولياً مشتركاً منذ الإعلان عنه أو القبول به، أثماناً محلية ـ عربية ـ دولية منفصلة ففي السياسة لا تنازلات من دون ثمن أو تنازلات مقابلة، ولا شك أيضاً أن الأيام القليلة المقبلة ستكشف ميدانياً إن لم تكن قد بدأت بذلك.
وعلى أرض الواقع في أكثر من رقعة عربية، كلفة الحل العربي أو بالأحرى كلفة إنقاذ لبنان من المصير المجهول.. وما على المواطن العربي، ولا نقول اللبناني فقط لأن الكلفة سوف تطال الجميع، أن ينتظر الكلمة الفصل في هذا الموضوع من السيد حسن نصر الله.. ومن العماد ميشال عون أيضاً هذه المرة.
كاتب لبناني
