المعادلة باتت معروفة، عصبة حاكمة في دولة عالم عالمثالثية تقوم عن طريق برمجات «خصخصة» متسلسلة بنقل شركات ومؤسسات القطاع العام من ملكية الدولة إلى ملكية شركات غربية وتصدر من التشريعات والتدابير باسم «تشجيع الاستثمار الأجنبي» ما يعفي هذه الشركات من أي نوع من الضرائب ويسمح لها في الوقت نفسه بتحويل أرباحها كلها إلى الخارج دون أدنى رقابة سلطوية.

وفي السياق ينهمك عناصر العصبة الحاكمة في ممارسة لعبة الإثراء الذاتي غير المشروع من الأموال العامة ومما يحصلون عليه من رشاوى من الشركات الغربية.

ولضمان استمرارية هذا الوضع تتبادل الحكومات الغربية مع العصبة الحاكمة في الدولة العالمثالثية تعهدين: بينما تتعهد حكومات الغرب بالتزام السكوت وغض البصر عن استشراء فساد السلطة تتعهد السلطة الحاكمة بتطوير الأجهزة الأمنية الداخلية لقمع الاحتجاج الشعبي دون هوادة.

هذا هو المغزى العام لما يجري الآن في كينيا. وفي هذا الصدد تساءل الكاتب البريطاني مايكل هولمان في صحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية: لماذا ظلت حكومات الغرب ومؤسساتها المالية وفي مقدمتها «صندوق النقد والبنك الدوليان»، تدعم الحكومات المتعاقبة في كينيا منذ الاستقلال في النصف الأول من ستينات القرن الماضي وحتى اليوم وهي تعلم علم اليقين أنها أشد الحكومات فساداً في القارة الإفريقية.

في الخارج تبدو كينيا في الوسائل الإعلامية الغربية وكأنها نموذج إفريقي نادر للازدهار الاقتصادي. فقد ظلت قبلة لأكثر من مليون سائح سنوياً يتقاطرون عليها من أوروبا والولايات المتحدة وكندا وغيرها للاستمتاع برحلات «السفاري»، وإلى العائدات السياحية الضخمة بالنقد الأجنبي تضاعفت عائدات صادرات زراعية في مقدمتها البن والشاي، هل هي صورة صحيحة تعكس الواقع؟

نعم.. ولكن الاقتصاد الوطن الكيني يسجل معدل نمو صحياً يناهز 6 في المئة.. وعائدات السياحة والمنتجات الزراعية في حالة ارتفاع منتظم.

هذه هي الصورة الخارجية، لكن انظر أيضاً في الصورة الداخلية التي لا ترى بالعين المجردة: أكثر من 85 في المئة من الكينيين يعيشون ـ أو بالأحرى يموتون موتاً بطيئاً ـ تحت خط الفقر أي بمعدل دخل للفرد يقل عن دولارين في اليوم، وأكثر من 65 في المئة من الشباب المتعلم من خريجي المدارس والجامعات عاطلون، وهو رقم قابل للتنامي بالطبع مع ازدياد أعداد الخريجين سنوياً، لماذا؟

كينيا دولة غنية بمواردها الإنتاجية لكنها أيضاً دولة منهوبة، فالعائدات المالية تتقاسمها الشركات الغربية التي تنهب باسم «حرية السوق» وعناصر العصبة الحاكمة المتواطئة معها، وما يتبقى بعد ذلك يذهب إلى خزائن صندوق النقد الدولي لسداد «ديون» ربوية بالفوائد المركبة جرى تسديد مبالغها الأصلية المقترضة بالفعل عدة مرات.

يقول مايكل هولمان إن حكومات الغرب لم ترغب ولن ترغب في الدخول في مواجهة مع الطبقة الحاكمة الفاسدة في كينيا لأنها ترى ان أفضل من يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية هم أباطرة الفساد في جهاز السلطة، ويقول هولمان أيضاً: هذه ليست الحالة الأولى التي يدفع فيها شعب إفريقي ثمناً باهظاً بسبب تسامح دول الغرب تجاه فساد الحكم.